الصندوق السيادي اللبناني عندما يأتي وقته

حاز القطاع البترولي اهتماماً مّركزاً، تُرجمَ أخيراً بإصدار مراسيم طال انتظارها، ما يبعث الأمل بحصول تقدم جدي في هذا القطاع. من المعلوم أن بناء صناعة بترولية قوية ومنافسة يتطلب حشد الجهود المتخصصة والمعنية في القطاعين العام والخاص لمواجهة التحديات، ووضع الأطر المناسبة للحل، بما يضمن نجاحها واستمرارها وازدهارها والنهوض الاقتصادي على مستوى البلاد.

إن وضع رؤية استراتيجية علمية، مواكبة للخطوات التشريعية والإجرائية، خطوة في الطريق الصحيح لقيام صناعة بترولية ناجحة تضمن التوازن بين العائد المحصّل والاقتصاد العام والمحافظة على الحوافز المناسبة لجذب المستثمرين. من القضايا الهيكلية في الصناعة البترولية: شكل النظام العام، الصندوق السيادي، المراسيم التطبيقية، القوانين والاتفاقيات، النظام الضريبي، … وغيرها من القضايا المهمة، التي تُعَدّ ركيزة مستقبل هذه الصناعة، والتي لا بد من التطرق إليها بعناية علمية خشية من الهفوات والعفوية في التعاطي مع قطاع يعوَّل عليه للسنوات المقبلة.

الصندوق السيادي
لحظت المادة 3 من قانون الموارد البترولية في المياه البحرية صندوقاً سيادياً لإيداع الدولة عائدات الأنشطة والحقوق البترولية فيه، وذلك بهدف استثمارها لا استهلاكها.

يُعد إنشاء الصندوق السيادي من ثوابت نظام الإدارة المالية الرشيدة والمتكاملة للثروة البترولية، لكنه يثير تساؤلات عديدة تطاول البنية التنظيمية، أهدافه الطويلة والقصيرة الأمد، مرجعيته الإدارية وشخصيته المعنوية، فضلاً عن علاقته بالموازنة والسياسات الاقتصادية والمالية للدولة عموماً. ومن المعلوم أن الصندوق السيادي هو صندوق عام، خاضع لسلطة المصرف المركزي، ينظر إليه كمحفظة تتقسم إلى فئات عدّة، منها: سيادية، استثمارية، للتثبيت، للتنمية، ادخارية للأجيال القادمة، للمعاشات الاحتياطية، ولدعم الاقتصاد، كالاستثمار في منظومة اقتصادية جديدة تحفّز النمو وتؤمن فرص عمل على المدى الطويل.

عادة ما يموّل هذا الصندوق من عائدات النفط المباشرة (الإتاوات وأرباح النفط)، ومن أرباح عائدات النفط الاستثمارية، أو من طريق عائدات غير مباشرة، كالضرائب على الأفراد والشركات، إذ إن الاستثمار في البنى التحتية أو في قطاعات التكنولوجيا أو الطاقة البديلة، على سبيل المثال لا الحصر، يؤدي إلى توفير فرص عمل وتحسين مستوى الدخل عند الأفراد. إضافة إلى أن توجيه الغاز للاستهلاك الداخلي يؤدي إلى انخفاض تكاليف الطاقة على الأفراد وعلى الشركات فيخفض تكاليف الإنتاج ويحفز التنافسية. عندها يمكن فرض ضرائب استثنائية على الدخل (أفراداً وشركات)، وضرائب البيئة على استهلاك الطاقة (أفراداً وشركات). هذه الضرائب يمكن اقتطاعها لتمويل الصندوق واستثمارات القطاع على الأجل الطويل. علماً أن توجيه الإنتاج إلى السوق الداخلي يقلل الاعتماد على الطاقة المستوردة، ما يحدّ من خروج النقد الأجنبي وتحسين وضع الميزان التجاري (خفض العجز).

ثمّة ملاحظات تطرح نفسها حول الصندوق، وخاصة أن تجربة لبنان قصيرة في هذا المجال، أهمها:
الأمر المتعلق بالضوابط على نسب توظيف أموال الصندوق، أي تحديداً سقوف التوظيف في كل فئة من الأصول الماليّة. فمثلاً، إن توظيف جزء كبير من موجودات الصندوق في عمليّات شراء سندات الخزينة اللبنانية سيعني حكماً تسرّب العوائد النفطيّة إلى صناديق الخزينة العامة مجدّداً، لكن من بوّابة الاستدانة. هذا الأمر يؤدّي إلى تضخيم حجم الدين من خلال إصدار سندات الدين السيادي التي ستحملها وتتداولها محفظة الصندوق السيادي، ما قد يؤدي إلى خسارتها كلياً، في حال إعادة جدولة الديون وفي حال انخفاض أسعار الفائدة، ويؤدي بالتالي إلى انخفاض ربحية السندات لحاملها (القطاع المصرفي)، ويضع المصارف أمام فرصة استرجاع أموالها عبر بيع الدين إلى الدولة.

يبقى الخطر الأسوأ هو التخلف عن السداد، فتستخدم الدولة أموال هذا الصندوق لتغطية خدمة الدين. والأكثر سوءاً أن يكون هناك دور مؤثر للقطاع المصرفي في رسم سياسة الصندوق، فيلجأ، بالتعاون مع المصرف المركزي وضمن هندسة مالية جديدة، إلى شراء دين القطاع الخاص وتحويله إلى دين عام، وبالتالي تتبخر الآمال والأموال.

من الأخطاء الشائعة، أن يُحوَّل جزء من أموال الصندوق لشراء الدين (سمعنا أخيراً رغبة في خفض الدين إلى 60%‏ من مجمل الناتج المحلي). فخدمة الدين يمكن تمويلها من الأرباح الاستثمارية للصندوق، وليس من رأسمال صندوق نفسه، لأنه لا يكفي. هذه الخطوة تكون بمثابة خطوة لاحقة لمرحلة ما بعد جدولة الديون وإعادة هيكلة أسعار الفائدة نزولاً، استناداً إلى عوامل الثقة وتحسين التصنيف الائتماني نتيجة انخفاض المخاطر وتأمين التدفقات النقدية على الأجل الطويل بالعملة الأجنبية.

التدفق المالي المباشر المتفائل هو مليارا دولار سنوياً
لا يستطيع المراقب توقّع مستوى الشفافيّة الذي سيمارسه مصرف لبنان تحديداً في إدارته الصندوق. فكثير من الخطوات التي يقوم بها المصرف تبقى طيّ الكتمان بآليّاتها ونتائجها، كذلك تظل محل تساؤل لدى المراقبين لجهة الأسباب والنتائج الفعليّة والخيارات البديلة. وهي سمة من سمات السياسة النقديّة في لبنان. لذا، يجب أن يتكامل الهيكل الإداري الداخلي مع النموذج الرقابي المفروض على الصندوق. فيدير عمليات الصندوق مجلس إدارة، تحت إشراف مجلس تنفيذي يحدد مهمات صلاحيّات مجلس الإدارة وحدودها، ويضع المبادئ المحدّدة لكيفيّة إدارة المخاطر. أمّا مجمل هذه العمليّات، فيجب ان تكون خاضعة بنحو دقيق لمراقبة مجلس رقابة ينتخبه البرلمان، ويتولّى التدقيق والتصديق على الميزانيّات والتأكّد من مطابقة الأنشطة للقوانين والأنظمة. ويملك الصندوق مجلساً استشارياً خاصاً لتطوير مستوى استثمارات الصندوق.

إن أرباح الغاز من الاحتياطي المتوقع في المنطقة الاقتصادية اللبنانية (25 tcf) لا يتعدى 50 مليار دولار في أحسن الأحوال. إن التدفق المالي المباشر المتفائل هو مليارا دولار سنوياً، أي ما يعادل 4%‏ من PIB اللبناني. لكن هذه التقديرات خاضعة لغموض الأسعار والأحجام. إن الأرقام المقدرة تبقى ضعيفة نسبياً مقارنة بـ7.4 مليارات دولار كتدفقات نقدية من المغتربين، أي ما يعادل 15% من PIB. هذه الارقام لا ترقى إلى مستوى المقارنة مع الصناديق العالمية، وهي لا تستطيع النهوض بصندوق استثماري متعدد الأهداف.

إن عائدات النفط بتقديرها الحالي لن تشكل تحولاً رئيسياً للوضع الاقتصادي ووضع المالية العامة في لبنان. ففي غياب النمو الاقتصادي، والعجز في المالية العامة (10%‏ سنوياً) والحساب الجاري، وزيادة الإنفاق، والديون المتعاظمة (80 مليار دولار) وخدمة الدين المرتفعة… لن تمثل العائدات ترياقاً في غياب إصلاحات هيكلية وإصلاحات للمالية العامة. لذلك، من الأجدى أن ينشأ صندوق استثماري تُحوَّل عائداته للتحفيز والاستثمار في الاقتصاد الوطني، وخاصة في القطاعات البتروكيماوية، الطاقة البديلة والتكنولوجيا لخلق نظام اقتصادي معرفي ينتج فرص العمل ويحسن مستوى دخل الأفراد ويضمن تدفق النقد الأجنبي المستدام (خطة موازية لضمان التدفقات النقدية من المغتربين). هذه السياسة الاستثمارية يجب أن تكون مصحوبة بخطة اقتصادية ومالية واضحة وشفافة ومصحوبة بإصلاحات هيكلية تضمن الاستدامة المالية العامة والإنصاف بين الأجيال. كل ذلك مع مراعاة السياسة النقدية المتبعة خشية من إحداث صدمة قوية تؤثر في الاقتصاد العام نتيجة الخروج الهائل للنقد الأجنبي.

 المصدر: جريدة الأخبار

Leave a Comment