النفط والغاز في لبنان، نعمةٌ أم نقمةٌ؟

اAZ 1

الكاتب : عبود زهر

يعيق الجدل حول شرعية انعقاد مجلس الوزراء بغياب رئيس للجمهورية البت بالمرسومين المتعلّقين باستخراج النفط بهدف إغلاق دورة التراخيص.

إعتُبرت الموارد الطبيعيّة، في الماضي، مصدر نمو وغنى للدول النامية، فساهم الذهب والألماس والنفط وغيرها  في ازدهار الدولة. أما اليوم، فنشهد حديثا حول النقمة التي تشكّلها الموارد في دولٍ يسيطر عليها الفساد، والمال الذي يهدف إلى التطور والازدهار يلاقي حتفه في جيوب القيّمين على الحكم وحاشيتهم.

كشفت دراسات عدّة أنً الدول الغنية بالموارد الأوّلية تعاني، أحيانًا، من بطءٍ في تقدّمها الاقتصادي ناتجٍ عن هذه الثروات التي بدلًا من أن تكون نعمةً هي نقمة. غير أنّ أمثلةً أخرى تبيّن العكس، فحال دولٍ كتشيلي وإندونيسيا وماليزيا التي نجحت في استعمال مواردها كسبيلٍ لتطورّها، يناقض دولًا أخرى كغينيا الإستوائيّة ونيجيريا وأنغولا التي انتقلت مداخيلها الهائلة مباشرةً إلى جيوب حكًامٍ ورجال أعمال مقرّبين من أصحاب النفوذ.

ما يجعلنا نتساءل عن كيفية التوصل إلى طريقة تسمح بالاستفادة من هذه الأرباح لتطوير الاقتصاد والمجتمع والحيلولة دون الوقوع في شرك الفساد والاستبداد في الحكم؟

يبقى الحلّ الوحيد لتجنّب هذا الشرك الخطير في المواطن الواعي، صاحب البصيرة، والقيادي المسؤول والصحافة الصادقة، ومؤسّسات المجتمع المدني التي تعمل على تطبيق الشفافية على كلّ المستويات.

***

نتساءل اليوم إن كانت إيرادات تصدير النفط والغاز في لبنان ستشكّل نعمةً أو نقمةً، فنصل إلى أنّ الأمر يتوقّف على الرقابة والشفافية التي ستخضع لها هذه الأموال وكيفية استعمالها.

إنّ هذه الرقابة والشفافية تشكّل حجر الأساس. من هذا المنطلق، يجب أن نسعى إلى اعتماد وسيلة مناسبة للتوصّل إلى تطبيقها من خلال مبادرة الشفافية للصناعات الإستخراجية (www.eiti.org) المعتبرة من أهم المؤسسات التي تساهم في وضع هذين الأمرين حيّز التنفيذ.

تتألّف مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية اليوم من أربع وثلاثين دولة (كالولايات المتّحدة وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتّحدة… وغيرها)، ومن سبعين شركة كبيرة وشركات نفط عالمية وشركات معادن. تنتسب معظم الشركات الستة والأربعين المتقدّمة إلى دورة التراخيص الأولى في لبنان إلى هذه المؤسّسة.

 يرتكز نظام الرقابة ضمن مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجيّة على ثلاثة أسس:

  • أوّلاً، تصرّح الشركة المستثمرة في دولةً ما علنًا عن أيِّ مبلغٍ تدفعه للحكومة، وهذا ما يُعرَف بـ “أنشر ما تدفعه”.
  • ثانيًّا، تكشف الدولة عن كلّ إلإيصالات التي تعطيها للشركات إثر استلامها أيِّ مبلغٍ من الشركة. وهذا ما يُعرَف بـ “أنشر ما تستلِم”.
  • ثالثًا، يقوم مراقب مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجيّة بمقارنة الإيصالات للتأكّد من أيّ تباين بينها. وهذا ما يُعرف بـ “مطابقة ما تدفع الشركات مع ما تحصّل الدول منها التي يشرف عليها مدقّقون مستقلّون” للكشف عن أيّ خللٍ.

عند اكتشاف تباين بين تصريح الشركة وعائدات الدولة، يجري التحقق من الأمر فيلاحق على أثرها قانونيًا أيّ مسؤول في الحكومة أو موظّف بتهمة الفساد واستغلال المال العام.

هذه هي الفكرة من “أنشر ما تدفع” و”أنشر ما تكسب” بهدف التحقّق من صحّة هذه المعلومات عن طريق المقارنة بينها.

***

تعتبر مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجيّة مؤسسة دوليّة تطوعيّة من دون أيّ سلطة تحقيق قضائي في أيّ جرمٍ يحصل، إلّا أنّ تفعيل عملها يعود إلى المواطنين والمجتمع المدني والمسؤولين والصحافة. يتميّز هذا العمل بالشفافية والمحاسبة للتوصّل إلى توظيف الأموال في المكان المناسب لتطوير المجتمع ونموه الاقتصادي.

يجري، حينئذٌ، تعيين وسيط في الدولة المعنيّة يطّلع على التقارير المتعلّقة بالضرائب أو أيّ من المبالغ التي تصرّح عنها الشركة، وينظر إلى تقارير الإيرادات التي دفعتها هذه الشركة لوزارة المال في الدولة عينها، ليقارن بينها، ما يحدّ من تسرّب الأموال وضياعها في أزقّة السياسة.

من هنا، أهميّة انضمام لبنان إلى هذه المؤسسة، ما يساعده على تجنّب الفساد من خلال الرقابة المشدّدة، خصوصًا أنّه دولةٌ تنقصها الخبرة في هذا المجال.

يشكّل اعتماد الشفافية والمحاسبة العالية في تلزيم المشاريع وتنفيذها في قطاع الهيدروكربونات النعمة التي نتضرّع من أجلها بهدف المحافظة على هذه الثروة وضمان مستقبل الأجيال القادمة. ما يلجم شهيّة السياسيين من الإستفادة الشخصيّة من هذه الموارد الواعدة والتي هي بالدرجة الأولى للشعب اللّبناني.

عبود زهر

أخصائي في مجال النفط