النفط… وحدود الوهم

في نهاية سبعينات القرن الماضي وبداية ثمانيناته برز من يدعو الى بيع موجودات مصرف لبنان من الذهب بحجة اطفاء الدين العام الذي كان قد أخذ ينمو انذاك، وكذلك لتوفير مقومات الاستمرار للدولة اللبنانية امام تحديات الحرب.

بينما رحّب مسؤولو الفساد ورجاله مع آخرين ربما طيبي النية بالمشروع، قامت معارضة وطنية واقتصادية واعية له ليس لأسباب مالية وفنية فقط بل لأن اي دخل اضافي للدولة كان مرشحا ليذهب في اجزاء كبيرة منه الى مكامن الهدر، وتكون النتيجة الحتمية ان لبنان معرض لخسارة ثروة وطنية كبيرة بدون مقابل.

ودلّت الوقائع لاحقاً على صحة تقدير هذه المعارضة.

اليوم، وامام الورشة المنتظرة لاستكشاف – والاحتمال الواقعي لانتاج- النفط و⁄ اوالغاز نقف امام بعض عناصر الصورة مع فوارق كبيرة طبعاً في المعطيات . من عناصر هذه الصورة المبالغة الكبيرة بل الوهم في تقدير الثروة المفترضة ونتائجها وكذلك تصوّر حدود المشكلة والحل في غير موقعهما الطبيعي، واخيراً الخوف المبرر من تبذير الثروة وتسريع خطى سوء الادارة فنخسر في آن معاً عائدات كنا ننتظرها واخرى عملنا على جمعها طويلاً.

ان الاهتمام الرسمي مطلع هذا القرن في 2002 تحديداً، وتمثّل بجهد في غير اتجاه اهمه ،الى الجوانب الادارية والفنية، بابحاث شارك فيها فرقاء دوليون وشركات خبرة من النروج وانكلترا والولايات المتحدة الاميركية وسواها، لكن هذا الجهد توقف مجدداً نتيجة استشهاد الرئيس رفيق الحريري وحرب تموز2006 قبل ان يستأنف لاحقا في 2010 لينتهي الى اول تقدير  للموجودات النفطية في لبنان.

وعلى رغم ان هذا التقدير كان اولياً فانه تحدث عن كميات تبلغ 95 تريليون قدم مكعب من الغاز و900 مليون برميل من النفط بقيمة سوقية تبلغ نحو 1050 مليار دولار (650 للغاز و450 للنفط). وواضح ان هذا التقدير لا يعكس الاحتمالات المنتظرة في الملف النفطي المفتوح حالياً والذي يعني تحديداً الثروة النفطية في المياه الاقليمية اللبنانية بدءاً ببقعتين فقط منها.

لكن هذا التقدير، على اهميته، وكل الخطوات الاجرائية القائمة والمنتظرة قريباً، على اهميتها ايضاً، لا تبرر التفاؤل المفرط الذي يصل لدى البعض الى حدود الاعتقاد ان مشاكلنا الاقتصادية الاجتماعية كلها ستسلك طريق الحل السريع بمجرد بدء اعمال التنقيب .

هذا التصوّر هو بالتأكيد غير صحيح، وربما هو اقرب الى الوهم منه الى وعود هي الاخرى قد تكون ايجابية اذا أحسن التصرف ازاءها.

لماذا؟ لعدة اسباب جوهرية اقلها:

1- ان حصة الدولة من الثروة المفترضة غير كبيرة – في المرحلة الاولى على الاقل – والامر ارتبط بطبيعة المفاوضات لتوقيع اول اتفاقية للاستكشاف والانتاج ولمعطيات سوق النفط العالمية حالياً. فبالاضافة الى اتاوات اولية (4 بالمئة من الغاز و5-12 بالمئة من النفط) يفترض ان تحصل الدولة على حصة من الارباح (30 بالمئة على الاقل) بعد حسم الاتاوات واكلاف الاستكشاف والانتاج والتطوير وهي مسائل قد تنطوي على سوء تفسير وتقدير، كما تحصل الدولة على الضرائب المستحقة. باختصار فان الدولة هي في هذه المرحلة على الاقل صاحب حصة من الارباح بتعقيداتها وليست شريكاً في الانتاج.

2- ان هذه الحصة المقدرة تبقى دون مليار دولارسنوياً (ربما 500-800 مليون) حسب المعطيات اليوم في المرحلة الاولى وهي محاصيل مفترضة دون الحلم الرائج ودون محاصيل ضريبية اخرى، علماً ان هذه المداخيل لن تتحقق قبل بدء الانتاج والتسويق. وهذا يعني ان الواردات الاضافية لن تكون كافية متى تحققت لخدمة الدين العام الاضافي عندما نقف على عتبة مئة مليار دولار.

3- ان العملية النفطية اللبنانية تأتي في وقت تشهد فيه سوق النفط العالمية تحديات اقلها تراجع الاسعارالى مستويات غير محفزة للانتاج في غير موقع وتنامي استعمال الطاقات البديلة وسط الضغوط المناخية الكبيرة والتركيز على انتاج آلات موفرة للطاقة او صديقة للبيئة.

4- الاسوأ ان «الترويج للثروة» يرخي ظلالاً سلبية على بعض السياسات المالية فيفتح المجال امام هدر اضافي (وفساد اكبر) على امل الوعد المنتظر، كما يرجىء تنفيذ سياسات اخرى مطلوبة بالحاح للقطاعات الاقتصادية الجدية باعتبار ان لبنان قد لا يعود في حاجة الى مثل هذا الاهتمام غداً.

5- في اختصار، الثروة النفطية ليست هي الحل بالضرورة وهذا الذي يحصل في دول نفطية كبرى (من فنزويلا الى نيجيريا الى بعض الدول العربية) خير دليل. الحل في سياسة اقتصادية اجتماعية انقاذية شاملة جديدة، الثروة النفطية جزء منها.

المصدر  :الجمهورية