الوساطة البحرية بين لبنان وإسرائيل: للنظر بما هو أبعد من خط هوف

خريطة تبين خطوط الحدود البحرية المتداولة سابقاً وفي الوقت الراهن بين لبنان و”إسرائيل”

في خريف 2020، كان اللبنانيون يأملون سماع خبرتشكيل حكومة جديدة تنقذ البلاد من أسوأ أزماتها الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية، إلا أنهم تفاجأوا بنبأ موافقة السّلطات اللبنانية على وساطة أمريكية لبدء مفاوضات مع إسرائيل بهدف حلّ نزاع يعود لعقدٍ من الزّمن يتعلّق بالحدود البحرية بينهما. واستلزم الأمرعقد أربع جلسات دورية في الناقورة في إطار هذه المفاوضات غير المباشرة، ولقاء ثّنائي واحد بين الوسيط الأمريكي السّفير دروشير والجانب اللبناني، لفهم الاختلاف في المواقف بين الطرفين حول هذه المسألة. وقد فاجأ الوفد اللبناني الجميع بطرحه المبني على أسس قانونية. إذ لم يعترف بالمنطقة المتنازع عليها والتي تبلغ 860 كيلومترًا مربعًا فحسب، بل طالب بحقّه في ضمّ مساحة 1430 كيلومترًا مربّعًا إضافيًّا والتي تشمل جزءًا كبيرًا من حقل كاريش – الذي يُزعم أنّه داخل المياه الإسرائيلية –في ما سمّي بمطالبة الحدّ الأقصى للبنان. أمّا إسرائيل فلم تتوقّع أن تواجه أي مشكلة في هذه القضيّة؛ وظنّت أنّ التّفاوض سيقتصر على الـ860 كيلومترًا مربّعًا وأنّ تقسيم المنطقة سيتمّ “بشكلٍ منصف”، وذلك وفق مقاربة السّفير فريدريك هوف الّذي قاد الوساطة بين الطرفين في العام 2012

“عصف من الماضي: “خط هوف

لا يمكنك ذكر النّزاع الحدودي البحري بين لبنان وإسرائيل من دون ذكر فريدريك هوف، فقد عرفه اللبنانيون كمهندس لما يُعرف بـ “خط هوف” الّذي أعطي بموجبه لبنان 55٪ من المنطقة المتنازع عليها، بيد أنّ هذا الحلّ لم يُكلّل بالنجاح لرفض لبنان لتلك الصفقة. وقد أطلع هوف الرّأي العام المهتم بمعرفة ما حصل في العام 2012 على تفاصيل الأحداث من خلال افتتاحية في صحيفة الفاينانشل تايمز ومقالة طويلة نُشرت في مجلة نيولاينز بعد انطلاق المفاوضات. ومن هذا المنطلق، نعتقد أنه بغية إنصاف العمليّة التي تمّ الاضطلاع بها قبل عقد من الزمن والعملية الجارية حاليًّا، لا بدّ من دراسة نقدية لما ذكره هوف واستخلاص الدّروس من مبادرته واقتراح مقاربة من شأنها أن تحقّق حلًّا عادلًا ومنصفًا للنّزاع البحري بين لبنان وإسرائيل. وفي الوقت الحاضر، لا يتفق الجميع مع هوف حول التّسوية التي اقترحتها الولايات المتحدة عام 2012 والمعروفة بـ “خط هوف”على أنّها الحلّ الأنسب للنّزاع الإسرائيلي اللّبناني. والجدير بالذكر أنّ النظر إلى “خط هوف” على أنّه يشكّل تسوية بين ادعاءين متساويين دافع عنهما وفدان “رفيعا المستوى” وحلًّا مربحًا للطّرفين، هو بذاته أمر مثير للجدل

ادّعاءان متساويان؟

أشار هوف في مقالته الصّادرة في “نيولاينز” إلى عدم وجود “صيغة موحّدة تطبّق دائمًا لتحديد الخطوط البحرية الفاصلة بين الدّول”، رغم أنّه اعترف بوجود مبادئ وإجراءات وممارسات فضلى تعتبر مناسبة في مجال رسم الخرائط والقانون الدّولي. ما أتاح له أن يصرّح بثقة أنّ للجانبين الإسرائيلي كما اللّبناني، مقاربتين منطقيتين تتماشيان مع القانون الدّولي العرفي

غير أنّ المرونة التي سادت في السّبعينيات والثّمانينيات على قواعد ترسيم الحدود البحريّة لم تعد تنطبق على واقعنا اليوم. إذ أسهم الاجتهاد الدّولي الّذي استند إلى قرابة ثلاثين قرارًا قضائيًّا وتحكيميًّا في توضيح قانون ترسيم الحدود البحريّة وتطويره على نحوٍ كبير. لذا لا يحدّد القانون الدّولي هدفًا شاملًا يقضي باعتماد “حلٍّ منصفٍ” (العودة إلى المادتين 74 و 83 من اتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار)فحسب، بل ينصّ على أسلوب عمل يُعرف باسم “قاعدة خط الوسط/ظروف ذات الصلة” التي تفرض أن يكون خطّ الحدود البحريّة مطابقًا لخطّ الوسط (أي خط يقع على مسافة واحدة من سواحل الطرفين) إلّا في حال أدّت ظروف معيّنة إلى اعتبار ترسيم هذا الخط مجحف. عندئذٍ، يمكن إمّا تعديل خط الوسط وإمّا حرفه وإمّا استبداله. وأخيرًا، يبدو واضحًا تمامًا من الناحية القانونيّة أنه ينبغي بين الدول المتلاصقة أن تتوافق نقطة انطلاق الحدود البحرية مع نقطة التقاء الحدود البرّية مع الشّاطئ. بمعنی آخر، يفترض أن تكون نقاط بداية الحدود البريّة والبحريّة هي نفسها، إلا أنّ هذه القاعدة تحمل استثناءً واحدًا يتعلّق بعدم استقرار بعض السّواحل والطبيعة المتنقلة لنقطة انتهاء الحدود البرّية (مثلًا، مصب نهر دوليّ). في هذه الحالة، يمكن أن تبدأ الحدود البحرية في عرض البحر لتذليل هذه الصعوبات (العودة إلى قضية نيكاراغوا ضد هندوراس، محكمة العدل الدولية، 2007). ومن هذه الخلفيّة بالتّحديد، وجب تقييم  القيمة القانونية والتّقنية للادّعاءات الإسرائيليّة واللّبنانيّة

ينطلق الخط الإسرائيلي (الّذي يظهر باللّون الأحمر في الخريطة أعلاه) من نقطة في البحر تبعد مسافة 7 أمتار عن الشاطئ. لكن ذلك غير مبرّر إذ أنّ خطّ السّاحل في تلك المنطقة صخري ويتميّز باستقرارٍ كبير، إذ لا وجود لشواطئ رمليّة معرّضة للتآكل ولا لأنهار يتنقّل مجراها. وعلاوة على ذلك، إذا كان الخط المذكوريبدو وكأنّه يتبع خط وسط على مسافة 18 ميلًا بحريًّا، فإنّه ينحرف شمالًا ليتصل بما يسمى بالنقطة 1 التي تشكّل نقطة الانطلاق المشتركة لخطَي الحدود البحريين اللّذين اتفق عليهما لبنان وإسرائيل مع قبرص كلّ على حدة، في العامين 2007 و 2010. وبذلك، وفقاً لهوف، تكون إسرائيل قد امتنعت عن انتهاك أي شيء مناسب، بيد أنّ هذا الإدّعاء خاطئ ومضلّل.

وفي الواقع، بالإضافة إلى حقيقة أنّ “النقطة 1” ليست نقطة ثلاثية متساوية الأبعاد بين سواحل إسرائيل ولبنان وقبرص، فإنّ اعتماد إسرائيل على النقطة المذكورة ينتهك مبدأين أساسيين في قانون المعاهدات الدولية: مبدأ العقد شريعة المتعاقدين الذي يؤكد الطابع الملزم للمعاهدات النافذة (العودة إلى المادة 26 من اتّفاقية فيينا لقانون المعاهدات) والمبدأ الذي ينص على أنّ المعاهدات لا تنشئ التزامات أو حقوقًا لدولة ثالثة من دون رضاها (العودة إلى المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات). لم تتوصّل المعاهدة التي عقدت بين لبنان وقبرص عام 2007 إلى الحصول على موافقة الحكومة اللّبنانية والبرلمان اللّبناني، وبالتالي لم يبرمها رئيس الجمهوريّة

هذه المعاهدة لم تدخل حيّز التّنفيذ، وبالتّالي فإنّ لبنان غير ملزم بأحكامها ولا سيما ما يسمّى “النقطة 1”. وبالتّوازي، لا يمكن لإسرائيل أن تفرض “النقطة 1” على لبنان استنادًا إلى المعاهدة التي أبرمتها مع قبرص في العام 2010. لبنان دولة ثالثة في هذه المعاهدة ولا يمكن لإسرائيل وقبرص من خلال اتّفاقٍ ما أن تحرما لبنان من حقوقه أو تفرضا عليه نقطة حدود بحرية من دون موافقته، وهذه نتيجة طبيعية لمبدأ السيادة الوارد في المادة 34 من قانون المعاهدات المذكورة أعلاه. وفي هذا الصّدد، تجدر الإشارة إلى أنّ محكمة العدل الدّوليّة رفضت بشكل منهجي ودائم الحجج المستندة إلى معاهدات غير نافذة ومعاهدات تدخل دولًا ثالثة في منازعات ترسيم الحدود البحريّة (للاطّلاع على مثال حديث، العودة إلى كوستاريكا ضد نيكاراغوا، محكمة العدل الدولية، 2018)

أما بالنسبة إلى الخطّ الذي كان معتمداً من قبل  لبنان  خلال وساطة هوف (الّذي يظهر باللّون الأصفر في الخريطة أعلاه)، فإنه يبدأ أيضاً على بعد 28 مترًا من الشاطئ، ما لا يتفق، كما سبق وشرحناه، مع القواعد القانونية الدّوليّة التي ترعى تحديد نقاط الانطلاق البحرية. كما أنّ الخط اللّبناني يتبع تقنية خط الوسط  على مسافة 12 ميلاً بحرياً قبل أن ينحرف جنوبًا حتى يصل إلى ما يسمى بالنقطة 23. هذا القسم الأخير من الخطّ اللبناني رسمه الطّرف اللّبناني عشوائياً. وهو لا يعتمد أي تقنية ترسيم  معترف بها قانونياً أوتقنياً. فهو ليس خطًّا وسطًيا ولا منصّفًا ولا عموديًا، ولا يُعدّ خطّاً وسطيّاً مع احتساب الأثر النّصفي أو من دون احتساب أي تأثير للجزر. إن عيوب الخطّ اللبناني الكثيرة تثير شكوك كبيرة حول كفاءة وقدرات أعضاء الوفد اللّبناني المفاوض بين عامي 2010 و2012

هل يعني ذلك أنّ لبنان لا يحق له حرف  الخط جنوبًا؟ على العكس! استنادًا إلى تقنية خط الوسط من دون احتساب تأثير الجزر الّتي سيتم شرحها في القسم التالي، يحقّ للبنان حرف خط حدوده جنوبًا ليس فقط ليشمل المثلث المتنازع عليه البالغ 860 كيلومترًا مربعًا، بل أيضًا ليضم مساحة إضافية قدرها 1430 كيلومترًا مربعًا تشمل جزءًا كبيرًا مما يُعرف بحقل كاريش. فباختصار، وعلى عكس ما زعم هوف، لم يعتمد الطرفان مطالب محقّة تتماشى مع القانون الدولي. الخط الإسرائيلي فاقد للأساس  القانوني لأنه تخطی ما هو مسموح به، في حين أن الخطّ اللبناني هو الآخر غير قانوني لأنه لم يعتمد أي تقنية معترف بها في ترسيم الحدود، وتمّ الحصول بنتيجته على مساحة أقل بكثير مما يقتضيه القانون الدولي

هل يُعدّ خط هوف حلٌ مربح للجانبين؟

بعد النّظر إلى موقفي لبنان و”إسرائيل”، أوضح هوف أن الفضل في الحلّ الذي قدّمه للطرفين يعود إلى مساعده، الخبير التقني رايموند ميليفسكي،  وهو حلٌّ استند إلى خط الوسط وانطلق من نقطة تقع على بعد 3 أميال بحرية من السّاحل.

ولتبرير استخدام خط الوسط البحت، أشار ميليفسكي أولاً إلى الواقع الجغرافي غير المعقد لشاطئ الطرفين. ولكن هل هذا هو الحال حقا؟ الواقع أن الشاطئ “الإسرائيلي” يتميّز بالتعقيد بإمتياز الذي يمكن أن يؤثر علی رسم خط الوسط ويحدّ من ملاءمته كحل منصف، إذ يتحكّم بخط هوف بالكامل من الجانب “الإسرائيلي”، ليس من نقطة تقع على “الشاطئ غير المعقد”، بل من صخرة صغيرة تسمى “تيخيليت” لا يتجاوز عرضها 24 متراً وتقع على بعد كيلومتر من الشاطئ “الإسرائيلي”. تحرف هذه الصخرة (المعلم الصغير) التي تظهر في الصّورة خط الوسط شمالًا ليقتطع مساحة 1800 كيلومتراً مربعاً من البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية

القانون الدولي، من خلال الاجتهاد ، وضع معايير واضحة لاختيار نقاط الأساس المعنيّة بتحديد خط الوسط، غير أنّ ميليفسكي وهوف تجاهلا هذه المعايير تمامًا

في العام 1985، بمعرض قضية الجرف القاري (ليبيا/مالطا) ، أعلنت محكمة العدل الدولية أن “الطابع المنصف لخطّ الوسط  مشروط بأخذ الاحتياطات اللازمة لإزالة الاثر غير التناسبي لبعض الجزر والصخور والنتوءات الساحلية الصغيرة”. لقد سبق وأوضحنا أعلاه أنّ صخرة “تيخيليت” لها أثر غير تناسبي ما يقتضي تجاهلها قانونًا. لو تمّ ترسيم خط وسط فعلي على أساس نقاط ساحليّة صحيحة لكان امتدّ هذا الخط جنوب خط هوف، مانحاً بذلك لبنان مساحة تبلغ 1430 كيلومتراً مربعاً تضاف إلى الـ860 كيلومتراً مربعاً الذي شكّل موضع الخلاف آنذاك

وقد أكّد على ذلك التّقرير التقني الذي أعدّه المكتب الهيدروغرافي البريطاني بناءً على طلب من الحكومة اللبنانية في العام 2011. في هذا التقرير، أكد أحد أهم الخبراء البريطانيين في الحدود البحرية، جون براون، على وجود “مجموعة كبيرة من الاجتهادات القضائية التي تتجاهل الأثر الذي تسببه الجزر الصغيرة” ونصح لبنان بأنّ يعتمد لحدوده البحرية الجنوبية خط الوسط دون احتساب تأثير لصخرة “تيخيليت” الصغيرة. ووفقًا لمصادري، تمّ تسليم هذا التقرير إلى رئيس الوفد اللّبناني في آب/أغسطس 2011، قبل عدة أشهر من الكشف عن اقتراح هوف في نيسان/أبريل 2012. هل شارك اللبنانيون النتائج التي توصل إليها جون براون مع هوف وميليفسكي؟ هل تسلمها الوسيط الأمريكي وقرر تجاهلها؟ إن لم تتمّ مشاركة دراسة جون براون ، فلماذا ؟ أعتقد أنّ اللّبنانيين يستحقون معرفة الحقيقة

شغل جون براون منصب مستشار تقني في عدّة قضايا رفعت أمام محكمة العدل الدّولية والمحكمة الدّولية لقانون البحار. توصيته تتّسم بقدر كبير من الأهمية، خصوصًا لأنّها تقنيّة وقانونيّة ولا تحمل أي خلفيّة سياسيّة، وهي هدفت إلى التوصّل إلى حل منصف يستند إلى القانون الدّولي

وبالإضافة إلى بدعة “الشواطئ غير المعقّدة”، اعتمد هوف وميليفسكي علی الممارسة الأميركية في مجال الحدود البحريّة لتسويق “حلّ تسووي” قائم على خط الوسط. غير ان الحدود الأمريكية في منطقة البحر الكاريبي التي ذكرها ميليفسكي تختلف عن الحدود بين دول متلاصقة مثل “إسرائيل” ولبنان، إذ أنّ مقاربته ترتكز على جزر متقابلة ولا علی أراضٍ متلاصقة، فالطبيعة الجغرافية في هذه الحال تجعل من خطّ الوسط مناسبًا في معظم الأحيان. لذا، قد تأخذ مسألة ترسيم الحدود بين الولايات المتحدة وجارتيها المتجاورتين كندا والمكسيك منحى أهمّ في هذا الإطار. ولكن إن نظرنا عن كثب الى تلك الحالتين، نكتشف قصة مختلفة عن تلك التي قصّها علينا هوف

عيّنت محكمة العدل الدّولية الحدود البحرية بين الولايات المتحدة الاميركية وكندا في العام 1984 (قضية خليج ماين). ولمّ تكن تلك الحدود خطّاً وسطياً على الإطلاق، بل تتألّف من ثلاثة أقسام مختلفة: الخطّ المنصّف وخطّ الوسط المعدّل والخط العامودي. وفي القسم الثاني، تمّ تعديل خط الوسط، بإعطاء جزيرة سيل (Seal) الكندية، وهي معلم أكبر من “تيخيليت، تاثير نصفي في رسم هذا الخط الحدودي البحري. ولو طبقت الحالة الأميركيّة -الكندية على لبنان و“إسرائيل”، لكان خط التسوية قد انحرف جنوبًا بطريقة تعطي لبنان نحو 500 كيلومتراً مربعاً إضافياً. ومن المفارقات أنّ الولايات المتحدة في نزاع خليج ماين كانت تطالب بخط عامودي معدل وقد بذلت كامل جهودها للحيلولة دون اعتماد خط الوسط البحت الذي طالبت به كندا. فمن هذا المنطلق، نسأل لماذا تسعى الولايات المتحدة إلى أن يقبل لبنان مع “إسرائيل” ما رفضته هي نفسها خلال نزاعها مع كندا عام 1984؟

ويعتمد ترسيم الحدود البحرية بين الولايات المتحدة والمكسيك طريقة خط الوسط مع وضع نقاط الأساس على الجزر، إذ أنّ الأثر غير التناسبي للجزر العائدة لأحد الطرفين قد حدّ منه إلى حد كبير أثر جزر الطّرف الثاني على الجانب الآخر من الخط. كما وأنّ المعاهدة التي أبرمت بين الولايات المتحدة والمكسيك عام 1976 توصّلت إلى “ترسيم مزدوج”. اذ كان خط الوسط في خليج المكسيك لصالح المكسيك في حين انه من الواضح أن خط الوسط في منطقة المحيط الهادئ هو لصالح الولايات المتحدة. ولذلك فإن معاهدة عام 1975 التي تُعطي الجزر أثرًا كاملاً تُعدّ اتّفاقية شاملة ومنصفة. ولو عيّنت الحدود البحرية بين الولايات المتحدة والمكسيك بشكل منفصل في خليج المكسيك والمحيط الهادئ، فمن المؤكد أنّ طريقة خط الوسط كانت تستستبدل بطريقة تعيين حدودٍ أخرى.

إن الوضع بين لبنان و”إسرائيل” مختلفٌ تمامًا، فلا يحدّ من أثر “تيخيليت” غير التّناسبي على خطّ الوسط أي جزيرة أو معلم مقابل على الجانب اللّبناني. علاوة على ذلك، فإنّ خسارة لبنان لمئات الكيلومترات المربعة بسبب خط الوسط البحت في البحر المتوسط لا يقابله أي تعويض في ترسيم الحدود بين لبنان و“إسرائيل” في منطقة أخرى من البحر أو المحيط. لذلك، لا يعتبر استخدام الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك كمعيار لترسيم المناطق البحرية بين لبنان و”إسرائيل” أمراً مناسبًا أو مقنعًا.

إضافة الى ذلك، ومن أجل محاولة تعزيز الطابع المنصف والمتوازن لخطه المقترح، أصرّ هوف على أن المقاربة الأمريكية تقضي بقبول نقاط الأساس التي قدّمها كل طرف فيما يتعلق بخطه الساحلي. ووفقاً لما قال، فإنّ نقاط الأساس التي اقترحتها “إسرائيل“ قد تمّ تبنّيها، وتلك التي حددها لبنان قد تمّ اعتمادها أيضًا بهدف رسم خط الوسط. لكن ما لم يقله هوف هو أن نقاط الأساس من الجانب اللبناني لم يقترحها لبنان بل الولايات المتحدة نفسها.

لا بدّ من أنّ هوف وميليفسكي كانا على علمٍ بالمشاكل القانونيّة والتقنية التي يشكّلها اعتماد صخرة “تيخيليت” كنقطة أساس. وللتحايل على هذه الصعوبة، وجد الخبراء الأمريكيون، من حيث لا يدري أحد ، صخرتين صغيرتين واقعتين على بعد أمتار قليلة من السّاحل اللبناني، تمّ إعطائهما تسمية L14 وL15، يمكن استخدامهما كنقاط أساس، واعتقدوا أنّ المشكلة قد حُلّت بصخرة من الجانب الإسرائيلي وصخرتين من الجانب اللّبناني.

ولكن، كما تمّ ذكر أعلاه، إنّ ما يهمّ وفقًا للقانون الدّولي هو أثر المعلم على خط الوسط  دون سواه. فصخرة “تيخيليت” تحرف خط الوسط شمالًا مساحة 1800 كيلومتر مربع، في حين لا يتجاوز تأثير L14 و L15 على انحراف خط الوسط جنوباً سوى 29 كيلومترًا مربعًا. ولهذا السبب لا يمكن مقارنة تأثير “تيخيليت” غير التّناسبي بأيّ شكلٍ من الأشكال مع تأثير الصخرتين L14 وL15. فمن هذا المنطلق، يُعدّ اعتماد “تيخيليت” في ترسيم الحدود أمرًا غير منصفٍ ومخالفًا للقانون العرفي الدولي.

ولكن على الرغم من كل ما سبق، فإنّ أكثر ما يدعو في خط هوف إلى الاستفزاز والرّفض يبقى موقع نقطة انطلاقه على بعد 3 أميال بحرية من الشاطئ. ووفقاً لهوف، بدأ الخط في عرض البحر من أجل “تجنّب إثارة الجدل حول  الطّرف الذي يمتلك الصخور عند منحدر رأس الناقورة/روش ها نيكرا – وهي منطقة لم يتم مسحها على الإطلاق لأغراض ترسيم الحدود أو خط الهدنة أو الخط الأزرق”. ولا بدّ من قراءة هذا الّتفسير بالتّزامن مع تأكيد هوف في مكانٍ آخر في مقالته الصادرة في “نيولاينز” أن “لبنان ليس له حدود وطنية مع جارته في الجنوب

يمكن غض النّظر إلى حدٍ ما عمّا صرّح به هوف حول الحدود البحرية خاصة لأنه اعترف بنفسه بأن “معرفته بالنّزاعات البحرية كانت معدومة”. غير أنّ ذلك لا ينطبق على النزاعات الحدودية البرّية. فقد أشار هوف إلى وجود الحدود البرية بين لبنان و”إسرائيل” في مقالات عدّة ويُعّدّ واحدًا من كبار الخبراء في هذا الشأن. ولذلك فإنّ إصراره على غياب الحدود الوطنية بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي وعدم وجود مسح في منطقة رأس النّاقورة أمران مرفوضان.

لا يمكن لهوف أن يتجاهل أنّ الحدود البرية للدول المستقلة حديثاً (أي الدول التي نشأت عند انتهاء الاستعمار)، بما في ذلك لبنان و”إسرائيل”، يحكمها مبدأ الحيازة الجارية الذي بموجبه ترث الدّول المعنية الحدود التي وضعتها القوى الاستعمارية. وبالتالي، هناك حدود وطنية بين لبنان و”إسرائيل”. وهذه الحدود هي الحدود التي حددتها دولتا الانتداب، فرنسا والمملكة المتحدة، في العام 1923، في ما يعرف بإتفاقيّة بوله – نيوكومب. إن ادّعاء خلاف ذلك معناه أنّه لا توجد حدود في إفريقيا وآسيا وأنحاء العالم كافة التي رزحت تحت نير الاستعمار.

تنص اتفاقيّة بوله- نيوكومب على أن “تنطلق الحدود من البحر المتوسط من النقطة المسماة رأس الناقورة وتتبع خط القنن إلى المعلم رقم 1 الواقع على بعد 50 مترا شمال مركز الشّرطة الفلسطيني في رأس الناقورة”. وبما أن هوف يجيد اللّغة العربيّة وشغل منصبًا عسكريًّا سابقًا، فهو على علمٍ أنّ مصطلح “رأس” يعني من النّاحية الجغرافية نتوء الصّخرة أو شبه الجزيرة. وقد اعترفت “إسرائيل” بنفسها بذلك في العام 1988 خلال التحكيم لحلّ نزاع طابا بين “إسرائيل” ومصر. ولذلك فإن نقطة انطلاق الحدود البرية بين “إسرائيل” ولبنان، وبالتالي نقطة الحدود البحرية بين الدولتين، معروفة جيداً وتتوافق مع نتوء رأس الناقورة الذي يمكن تحديده بسهولة (العودة إلى الصّورة أدناه)

صورة تبيّن نقطة رأس الناقورة

وفي العام 1949، عندما قامت “إسرائيل” ولبنان بترسيم خط الهدنة الذي اعترف به لبنان و“إسرائيل”، قررّا وضع نقطة حدودية (عُرفت بالنقطة  B1) بين نقطة رأس الناقورة والمعلم رقم 1 (المعروف أيضًا بالنقطة BP1). أمّا الإحداثيات الجغرافية لنقطة B1  فمعروفة جيداً، وقد جرى وضع هذه النّقطة على خط القنن الّذي يربط نقطة رأس النّاقورة بالنّقطة BP1. وفي العام 2000، تمسّكت الأمم المتحدة بموقع النقطة B1 وأدرجتها في الخط الأزرق، مؤكدة بذلك أنّ نتوء رأس النّاقورة كان بالفعل نقطة البداية للحدود البريّة على الشاطئ.

وبما أنّ نقطة انطلاق الحدود البحرية على الشاطئ معروفة، فلا حاجة إلى بدء خط ترسيم الحدود البحرية على بعد 3 أميال بحرية من الشاطئ، خصوصًا وأنّ الوضع يختلف بين لبنان و”إسرائيل” عمّا هو عليه بين الولايات المتحدة وكندا في قضية خليج ماين حيث بدأت محكمة العدل الدولية بترسيم الحدود، بناء على طلب الطرفين، على بعد 3 أميال بحرية من الشّاطئ لأنّ السّيادة على جزيرة ماشياس سيل كانت غير واضحة.

كما لو أنّه لا يكفي حرمان لبنان من مساحة 1800 كيلومتر مربع (المساحة ما بين خط هوف والخط 29 الذي يفاوض على أساسه لبنان اليوم) من خلال أخذ تأثير صخرة “تيخيليت” في الاعتبار ما يتنافى مع المعايير القانونية الدوليّة، أصرّ هوف وميليفسكي أيضًا على اقتطاع جزء كبير من المياه الإقليمية الاستراتيجية للبنان من خلال بدء رسم الخطّ بعيدًا عن الشّاطئ. وبذلك، أراد الوسيط الأمريكي الحفاظ على الأمر الواقع الراهن للبحر الإقليمي الذي تحتله “إسرائيل” وتسيطر على مياهه الإقليمية حتى خط الطفافات الذي وضعته بشكل غير قانوني عند الانسحاب من لبنان في العام 2000 والواقع شمال خط الوسط الذي ينطلق من نقطة رأس الناقورة.

لجميع الأسباب المذكورة أعلاه ، لم يشكّل خط هوف حلًّا مربحًا لطرفي النّزاع ، وإنّما هوَ سيناريو يؤكد بشكل واضح على فوز جهة وخسارة أخرى. فقد حصلت “إسرائيل” على أكثر من الحدّ الأقصى الذي كانت قد تطمح إليه قانونًا، أمّا لبنان فحصد أقلّ من الحد الأدنى الّذي يمكن أن يقدّمه له القانون الدولي.

هل حظي خط هوف برضى الطرفين؟

وضع هوف اللمسات الأخيرة على اقتراحه وقدّمه في نيسان/أبريل 2012. رحّب الطّرفان بحلّه على مضض، وفقاً لما صرّح به. وفي خلال حديثه عن الوفد الإسرائيلى تحديدا، أكّد هوف أنّ الوفد لم يكن ممتنًا إزاء الاقتراح الأمريكى وذكّر بتصريح رئيس الوفد بأنّ “إسرائيل” “لم تعتد على تسوية تحصل بموجبها على نسبة 45% من دون أي مقابل “. غير أنّ ما أعقب ذلك أظهر أن خيبة الأمل الإسرائيلية كانت مفتعلة وصوريّة. فبعد أسابيع قليلة تلقّت الولايات المتحدة رسالة رسمية تعلن فيها “إسرائيل” موافقتها على خط هوف، ولم يكن الأمر مفاجئًا. فلقد حصلت “إسرائيل” على أكثر من الحدّ الأقصى الذي كان بإمكانها تحصيله فيما لو استندت إلى القانون الدّولي، وهو أمرٌ نادر جدًا في الوساطات الدوليّة حيث تكون النّتيجة عادة حلًّا وسطًا يتطلّب تنازلات متبادلة من الأطراف.

لقد وافق الوفد اللبناني، ولو على مضض، على الخط الذي اقترحه هوف. ولا يدعو ذلك إلى التعجب، لاسيما وأنّ فهم أعضاء هذا الوفد، كما هو موضح أعلاه، لمسألة الحدود البحرية ودور الجزر والصخور في عملية ترسيم الحدود البحرية كان محدود للغاية، وبالتالي، لم يملكوا الأدوات اللازمة لمواجهة المقاربة الأمريكيّة. ووفقاً لما ذكره هوف، “فقد لقي الحل ترحيباً من معظم المسؤولين السياسيين اللبنانيين، وكان من الممكن اعتماده لو جرى طرحه على مجلس الوزراء للتصويت. لكن هذا لم يحدث نتيجة استقالة حكومة ميقاتي”.

ولكن، ما لم يذكره هوف، هو أن اقتراحه قد طرحه رئيس الوزراء نجيب ميقاتي على طاولة مجلس الوزراء في جلسة 29 آب/أغسطس 2012. وبحسب مصادري، فإنه تم مناقشة اقتراحه من قبل الوزراء مطوّلًا. وفي هذه المناسبة، تم الكشف عن دراسات عدّة أعدّها خبراء لبنانيون أكفّاء تُؤكد أحقية لبنان في الحصول على مساحة إضافية قدرها 1800 كيلومتر مربع بالإضافة إلى المساحة التي اقترحها هوف، على أساس القاعدة المستندة الى الاجتهاد الدولي وهي عدم الأخذ بتأثير الصخور. وهكذا تمّ الكشف عن طابع خط هوف الجائر على نحوٍ كبير، ما أدّى إلى عدم موافقة الحكومة اللّبنانية على اقتراحه

لا يمكن لخط هوف أن يشكل حلّا للنّزاع البحري الواقع بين لبنان و”إسرائيل”، بل لا يمكن حتی أن يكون نقطة انطلاق أو أساسًا لمفاوضات مستقبليّة بين الطّرفين. أمّا التّسوية الوحيدة القابلة للتطبيق فيجب أن تنظر في ما يشكّل جوهر النزاع الذي لم يرد ذكره ولو مرة واحدة في مقالتي هوف، ألا وهو تأثير صخرة تيخيليت “الإسرائيلية” على خط ترسيم الحدود. فهنا تكمن التّسوية التي يمكن تحديدها والقبول بها، وإلا فإن الصراع سيستمرّ إلى الأبد على حساب اقتصاد الدولتين واستقرار المنطقة

الكاتبة: لوري هايتيان – مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا