تأثير انخفاض أسعار النفط على قطاع النفط في لبنان: درس وفرصة في آن

يقدّمُ انخفاض أسعار النفط الخام بنسبة 50% منذُ حزيران دروساً حيوية عدّة للبنان، في وقت تستعد فيه البلاد لإطلاق قطاع النفط والغاز. وفيما تبدو أسعار النفط مستقرّة في الآونة الأخيرة، حذَّرَت وكالةُ الطاقة الدولية من الذهاب إلى افتراض أنَّ أسواق النفط إلى انتظام، علماً أنَّ هناك عدداً من العوامل التقنية والاقتصادية والجيوسياسية التي يمكن أن تؤدّي إلى ارتفاع أسعار النفط أو انخفاضها، ليبقى استمرار تقلّب هذه الأسعار العامل الوحيد المؤكّد.

تجدرُ الإشارة إلى أنَّ هذا الواقع يؤثّرُ على لبنان على مستويين، علماً أنَّه يطمح إلى تطوير موارده النفطية :
أولاً، فيما يشهد العالم تقلّباً شديداً على مستوى أسواق الطاقة، يشكل هذا الواقع فرصة ذهبية لإدارة توقّعات المواطنين اللبنانيين إزاء مستقبلهم النفطي الافتراضي، وليحفّزهم على التوجّه نحو التخطيط السليم منذ البداية.
أضف أنَّ عدداً من البلدان التي تعتمدُ إلى حد كبير على صادرات الطاقة، وتفتقر إلى آليات تخطيط متينة تواجه تداعيات اقتصادية مؤلمة، فيما ترزح ميزانياتها تحت عبء انخفاض أسعار النفط، إذ من المتوقع مثلاً أن تواجه فنزويلا واليمن عجزاً يصلُ إلى 17% و 9.5% من الناتج المحلي الإجمالي توالياً، ما يضطرّهما إلى الاقتراض دولياً للمحافظة على مستوى إنفاقهما الحالي.

إذاً، بإمكان لبنان تجنّب مثل هذه التأثيرات في المستقبل من خلال الاعتماد على التخطيط السليم في وقت مبكر. على سبيل المثال، قد يساعدُ إنشاء صندوق استقرار على مساندة الاقتصاد اللبناني في المستقبل، وحمايته من تقلبات أسعار السلع الأساسية.
بإمكان هذا الواقع أن يشكّلَ فرصة أيضاً لإقناع اللبنانيين بتنويع اقتصادهم بعيداً من قطاع النفط، على أن يتم استثمار عائدات النفط في المستقبل لتطوير الصناعات الأخرى وحفظها للأجيال القادمة.
ثانيًا، الآثار التي سيخلّفها انخفاض أسعار النفط على مصلحة شركات النفط العالمية للاستثمار في عمليات التنقي في لبنان. وفي حين ينقسم المحلّلون إزاء هذه الآثار، يمكن للبنان تحويل الأخطار إلى فرصة، في حال تمكّن صانعو القرار من استحداث استراتيجية مدروسة لجذب المستثمرين.
توازياً، تشيرُ التقارير إلى أنَّ شركات الطاقة تتجه إلى تقشف، علماً أنَّها فقدَت شهيتها لاستكشاف أحواض جديدة. وقد أظهر تحليل ملفت صادر عن “غولدمان ساكس”، أنَّ ما يقارب 1 تريليون دولار في استثمارات مشاريع نفطية مستقبلية في كلّ أنحاء العالم لن تكون مجدية اقتصادياً في ظلّ انخفاض سعر خام “برنت” إلى 70 دولاراً. لذا، على البلدان التي تسعى إلى جذب استثمارات جديدة كلبنان، أن تتنافس بجدية أكبر مع الدول الأخرى التي قد تلجأ إلى خفض الإتاوات والضرائب للمحافظة على مصلحة هذه الشركات.
من جهة أخرى، يعتقد بعض الخبراء أنَّ الوضع حالياً قد يكون فرصة لبدء مشاريع تنقيب جديدة، وهم يتوقعون انتعاش أسعار الطاقة على المدى الطويل. الآن هو الوقت المناسب بحسب الخبراء للمضي قدماً في التنقيب البحري، على أن يبدأ الإنتاج في 5 إلى 8 سنوات، ما يسمح بالإفادة من ازدهار أسعار النفط في المستقبل إلى أقصى الحدود. بإمكان مثل هذه المشاريع أن تكون مجدية اقتصادياً، نظراً إلى انخفاض تكاليف معدّات الحفر التي تشكّلُ ما يصلُ الى 40% من التكلفة الإجمالية للمشاريع البحرية.
هذه أفكار عملية فيما ينتهي مجلس الوزراء من دراسة مراسيم تحدّد أفضل السبل لجذب شركات النفط العالمية وتعظيم حصة لبنان من الأرباح ومدى التوقيت الأنسب لإطلاق جولة التراخيص.
تستحق هذه القرارات الاستراتيجية المناقشة على نطاق واسع وشفاف، فمن حق المواطنين اللبنانيين أن يكونوا مطلعين ليشاركوا في صياغة الخيارات الإستراتيجية التي تقرر مستقبلهم.

Source: Annahar Newspaper