تأجيل ملف الغاز والنفط أفضل أم تسريعه؟

في آخر سنة من ولاية الرئيس اميل لحود زار لبنان المسؤول الأول في الصندوق العربي للتنمية عبد اللطيف الحمد، وبحث مع عدد من المسؤولين الكبار، وفي مقدمهم وزير الطاقة، في الطريقة الملائمة لإعادة بناء “الطاقة الكهربائية”. وأكد لهؤلاء أنه يتكلم باسم الصندوق وباسم الصندوق الكويتي وصناديق دولية أخرى. وأبدى الاستعداد لتوفير التمويل اللازم. طبعاً لم تثمر الاجتماعات ربما لأن الجانب اللبناني المسؤول عن الطاقة كان لا يزال يدرس أوضاع الكهرباء تمهيداً لتقرير ما يجب أن يفعل.
طبعاً لم يحقق الوزير المشار إليه شيئاً، واستمر اللبنانيون يعيشون تقنيناً صعباً، واستمرت مؤسسة كهرباء لبنان عبئاً ضخماً على مالية الدولة. وقد أثّر ذلك كثيراً على الدَيْن العام.
لم ييأس عبد اللطيف الحمد فحاول مرة ثانية بعد انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. فزاره في قصر بعبدا. ثم انطلق إلى وزير الطاقة، كما أجرى سلسلة محادثات مع مسؤولين حكوميين آخرين. وكرّر طرحه السابق بالمساعدة على توفير المبالغ المالية اللازمة للبنان من الصندوق العربي كما من الصناديق الأخرى “لتجليس” وضع الكهرباء، وتحديداً لإنتاج طاقة كهربائية قدِّرت في حينه بين 700 و800 ميغاوات. رحّب سليمان والمسؤولون الآخرون بذلك. فتوجّه إلى مكتب وزير الطاقة وشرح له عرضه وفوائده. فكان الموقف الصادم للحمد ولجهات لبنانية وعربية أخرى، وجوهره “أن لبنان لن يلجأ إلى الصناديق العربية للاقتراض من أموالها بغية تحسين وضع الكهرباء، وانه سيموِّل مشروعات التحسين على تنوعها من الخزينة اللبنانية”. طبعاً فوجىء الحمد بهذا الموقف وتساءل عن دوافعه، وخصوصاً أن الخزينة العامة اللبنانية لم تكن تمتلك الأموال الكافية لتنفيذ مشروعات الكهرباء وغيرها، بل كانت ستقترضها من الخارج ولا سيما من المصارف المحلية والأجنبية. واستغرب كيف يتجرأ مسؤول حكومي على رفض الاقتراض لتنفيذ مشروع ذي مصلحة عامة بفائدة 2 أو 2,5 في المئة وبمدة سداد تمتد إلى 20 سنة، ويصر على “الاقتراض التجاري”، إذا جاز التعبير، بفائدة تقارب الـ7 في المئة وبمدة سداد لا تتجاوز الـ5 سنوات. طبعاً أجاب عدد من لبنانيي الشأن العام في حينه بالإشارة إلى حرص فريق لبناني وداعمه الاقليمي العربي وغير العربي على إبعاد المال الخليجي والدور الخليجي عن لبنان. وبعد ذلك بمدة زار وفد من الصندوق العربي نفسه الوزير إياه للبحث تفصيلاً في تمويل مشروعات الكهرباء. وبدأ طرح عرض التمويل الذي يحمله. لكن الوزير كرّر قراره عدم الإستعانة بالصناديق العربية وعدم الاقتراض منها وإصراره على تمويل تنفيذها بواسطة مال الخزينة. ثم فاجأ الوفد بالوقوف واضعاً إحدى يديه في جيب “بنطلونه” قائلاً: “أنا معي في جيبي مليار و200 مليون دولار أميركي لتنفيذ المشروعات، موحياً بذلك أنه ليس في حاجة إلى مصدر تمويل خارجي وتحديداً عربي.
لماذا هذا الكلام الآن وبعدما صار لبنان الدولة والمؤسسات والمشروعات المتنوعة في حال من الجمود أو الشلل؟
ليس طبعاً لنكء جراح، أو للنيل من وزير أو أكثر، أو من الفريق السياسي الذي ينتمي إليه. ولكن لتحذير اللبنانيين من أن ثروة النفط والغاز الكبيرة جداً التي يقال إن المياه الاقليمية اللبنانية تختزنها كما بعض “برِّه” يمكن أن تتعرّض بل هي تتعرّض اليوم لمثل ما تعرّض له موضوع الكهرباء، ولأخطر من الذي تعرّض له. فهو يُعالَج في رأي كثيرين بشيء من الارتجال رغم أن الملف الذي أعدّ سابقاً جيدٌ في رأي “الغربيين”. لكن غير الجيد هو الشعور بوجود محاولات لوضع اليد عليه، أو لاقتسامه حصصاً أو للإفادة من عمليات الإعداد للتلزيم وللحفر وما إلى ذلك. وهو أيضاً الدفع إلى الاستعجال بحجة أن إسرائيل بدأت تسرق غاز لبنان ونفطه. وهو ثالثاً خطأ وضع “الهيئة الناظمة” تحت سلطة وزير الطاقة قانوناً، علماً أن مصادر أجنبية مطلعة تقول إن اسرائيل لم تبدأ الحفر في الحقل الذي يمكن أن يكون ملاصقاً لحقل لبناني، علماً أن انخفاض سعر النفط قد لا يغري الآن شركات التنقيب بالعمل في لبنان ربما بسبب ضخامة الكلفة، وربما بسبب عدم التأكد من نتائج الحفر رغم أن إشارات الأبحاث الأولية كانت ايجابية.
فهل يكون طي صفحة هذه الثروة اليوم أفضل للبنانيين، إذ هناك من يخشى أن يصبح لبنان دولة غاز ونفط وأن يبقى مديوناً وشعبه فقيراً؟ ونيجيريا مثال حيّ على ذلك؟

سركيس نعوم

جريدة  النهار