إسرائيل ماضية في استخراج الغاز ولبنان الغارق بأزمته “مكانك راوح

Leb 1

أبرمت الحكومة الاسرائيلية في منتصف الشهر الجاري، اتفاقاً مع كونسورسيوم (تجمع شركات) يضم شركة “نوبل اينرجي” الاميركية، لاستخراج الغاز قبالة السواحل الاسرائيلية في البحر المتوسط. وتستثمر “نوبل اينرجي” ومجموعة “ديليك” منذ العام 2013 حقل تمار للغاز الواقع على بعد 80 كلم قبالة سواحل مدينة حيفا، كما تتعاونان على تطوير حقل ليفيثان، اكبر حقول الغاز في البحر الابيض المتوسط على مسافة 130 كلم قبالة سواحل حيفا.

الاتفاق الذي وقعته حكومة بنيامين نتانياهو مع “كونسورسيوم” سيواجه سلسلة عقابات سياسية داخلية، كونه يحتاج الى موافقة البرلمان الذي يحظى فيه نتانياهو على غالبية ضعيفة. وكانت الاتفاقات السابقة تعرضت للانتقادات من سلطة مكافحة الاحتكار في إسرائيل، اذ اعلن رئيس سلطة منع الاحتكار ديفيد جيلو في منتصف أيار الماضي انه سيستقيل بسبب معارضته لهيمنة مجموعة “ديليك” الاسرائيلية وشريكتها الاميركية “نوبل اينرجي” على سوق الغاز الاسرائيلية.
وقد سعى نتانياهو الى تسريع انتاج الغاز في البحر المتوسط، ما اثار انتقادات من المعارضة التي تتهمه بعدم ضمان فوائد كافية للشعب الاسرائيلي في المفاوضات. وكانت حكومة نتانياهو الامنية المصغرة، اتخذت قرارا في حزيران الماضي بربط انتاج الغاز بالامن القومي، ما يسمح للحكومة بتجاوز القوانين المتعلقة بالاحتكار.

“نوبل إينرجي”
تشكل شركة نوبل إينرجي الاميركية التي تأسست عام 2003 ومقرها الرئيسي هيوستن، ما يقارب 38% من إجمالي “كونسورسيوم” الذي تم توقيع الاتفاق الاسرائيلي معه، في وقت يمتلك فيه وزير الخارجية الاميركي جون كيري حصة من أسهم هذه الشركة، علماً أن غالبية المساهمين في رأسمالها هم من اليهود. كما حصلت “نوبل اينرجي” على امتياز التنقيب في معظم البلوكات الإسرائيلية في المياه الاقتصادية الخالصة لإسرائيل.

لبنان ينتظر ثرواته
بحسب المسوحات البحرية، يقدر إحتياطي حقل ليفيتان قبل شواطئ حيفا بنحو 450 مليار متر مكعّب من الغاز، ليكون بذلك أكبر حقل من نوعه في العالم يجري اكتشافه في المياه العميقة على مدى عقد. اما حقل تمار فيحتوي بحسب التقديرات على نحو 180 مليار متر مكعّب، ما يعادل قيمة الغاز المستخدم منزلياً في الولايات المتحدة لمدة سنتين تقريباً. وتشير الخرائط الجيولوجيّة الى ان هذين الحقلين يبعدان حوالى 35 كلم فقط عن الحدود الجنوبية البحرية للبنان، ما يؤشر إلى الكميات الكبيرة الواعدة التي يمكن أن يملكها لبنان في هذه النقطة. ولكن كل التحاليل تشير الى ان عملية تطوير وإستخراج الغاز من هذين الحقلين لا تؤثر جيولوجياً على الحدود البحرية اللبنانية، وعلى الثروات الطبيعية التي يمتلكها لبنان. هذا الامر لا يعني حتماً ان عين العدو الاسرائيلي ليست مسلّطة على الثروات اللبنانية، ما يحتم فعلا على لبنان إتخاذ كل الاجراءات التي تحمي حقوقه عبر الاسراع في إستغلال موارده الطبيعية بسبب تداعياتها إيجابية على قطاعاته الاقتصادية والمالية.
يضم الحوض الشرقي للبحر المتوسط زهاء 120 ترليون قدم من النفط والغاز، وتبلغ حصة لبنان منها نحو 30 ترليون قدم، تمتد على حوالى 15 الف كيلومتر مربع، اي بما قيمته أكثر من 100 مليار دولار. ويمكن ان يشبع لبنان حاجته النفطية نتيجة هذه الكميات، اذ تشير التوقعات الى ان حاجته النفطية في سنة 2020 ستصل الى 0.2 تريليون قدم، اضافة الى إمكان تصدير النفط والغاز الى الأسواق العربية المجاورة التي تعتبر سوقاً واعدة، وتعاني من أزمات في القطاع الكهربائي مثل الاردن وسوريا ومصر. طبعاً هذه الارقام تبقى ضمن التقديرات، واستخراج هذه الكمية يتطلب استقراراً سياسياً ومعرفة تكنولوجيّة بالموضوع.
الاولوية اليوم يجب ان تكون لإقرار المراسيم التي لا تزال قابعة في مجلس الوزراء منذ أكثر من عامين لأسباب سياسية، علماً أن هيئة ادارة البترول التي تشكلت منذ أكثر سنتين و8 اشهر، أنجزت 95% على الأقل من الأمور التقنية في شأن عملية التنقيب، وهي لا تزال في إنتظار اصدار مراسيم اتفاق الاستكشاف والانتاج، ودفتر الشروط، إضافة إلى ترسيم البلوكات البحرية.
ولكن هذه الخطوة قد لا تكون قريبة لاسباب عدة، منها الخلافات السياسية، والشلل الحكومي، والخلافات حيال عدد البلوكات التي يجب تلزيمها بالاضافة الى إستمرار الخلاف حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل من جهة، وبينه وبين قبرص وسوريا. من جهة اخرى.
ولكن الخلاف حيال الحدود البحري لا يجب ان يكون عائقا أمام تطور القطاع النفطي في لبنان الذي يمكنه مباشرة عمليات الحفر والتنقيب في بقعته البحرية، مع إستمرار المفاوضات التي تقودها واشنطن سعياً منها لإيجاد الحل لمشكلة الحدود البحرية. علماً ان مساعي واشنطن مبنية أيضاً على إمتلاكها مصالح في إيجاد الحل، وتحديداً بما يتعلق بالشركات الاميركية الراغبة في الدخول في مشاريع التنقيب والاستكشاف، إن في لبنان أو قبرص أو إسرائيل، كما يهم الجانب الاميركي توفير حماية الإستثمارات الأميركية في إسرائيل والمتمثلة اليوم بشركة “نوبل اينرجي”.
بالطبع، استخراج الغاز والنفط من بحر لبنان يساهم بشكل في تعزيز قطاعاته الاقتصاديّة، إذ يؤدي الى تغطية الدين العام وصلا الى تأسيس صندوق للأجيال المقبلة، كما يساهم في خفض الفوائد وتعزيز الاستثمارات، بالاضافة الى خفض كلفة الفاتورة الحرارية التي تصل حاليا الى أكثر من 4 مليارات دولار سنويا، كما يؤدي حتماً هذا التطور الى ايجاد عدد هائل من الوظائف وبخاصة ضمن القطاعات المرتبطة بالقطاعات النفطية.
والجدير ذكره ايضاً، ان صندوقا سياديا سيتم تأسيسه لجمع الايرادات النفطية، من دون إدخالها الى خزينة الدولية، بمعنى انه صندوق مستقل يساهم في تمويل الخزينة بنسبة معينة، فيما يستثمر جزء منه لتطوير هذا القطاع وخفض كلفته، على غرار التجربة النروجية.
ولكن بالطبع، كل هذه الايجابية، لا تبع المخاوف المتعلق بدخول الفساد الى هذا القطاع، في ظل غياب التطمينات حيال كيفية صرف الإيرادات عندما تتحقق. ويبقى التحدي الأكبر أن تحافظ الدولة على النفط اللبناني، كثروة سيادية، ستغير وجه لبنان الاقتصادي نحو الافضل، عبر إبعادها عن التجاذبات السياسية.

Source: Annahar Newspaper