كتاب مفتوح إلى سفير النروج في لبنان. النموذج البترولي النروجي: بين الحقيقة والتضليل

سعادة السفير،
وقّع لبنان مؤخراً مع النروج اتفاقاً جديداً مدته ثلاث سنوات لتوسيع التعاون الذي بدأ بينهما العام 2006 حول تهيئة عمليات التنقيب والإنتاج المأمول للبترول والغاز في المياه اللبنانية. وقد نشرتم في هذه المناسبة تعليقاً في مجلة Executive لتفسير أسباب نجاح سياسة بلادكم في هذا المجال، خاصة الشفافية والمشاركة الفعلية للدولة في العمليات البترولية والحيلولة دون سيطرة الشركات الأجنبية على هذا القطاع، بما في ذلك شركة «فيليبس بتروليوم» التي كانت تستغل حقل «إيكوفيسك» في بحر الشمال. من جهة أخرى، يشيد التعليق نفسه بالمساعدة التي تقدمها النروج إلى لبنان منذ تسع سنوات، بما في ذلك «وضع الإطار القانوني لقطاع البترول»، والانطلاق «الناجح» لهيئة إدارة القطاع نفسه التي كان بعض أعضائها قد حصل على منح تدريب لبضعة أسابيع في النروج.

في هذه الأثناء، ما برح بعض المسؤولين عن هذه الهيئة يؤكد ويردد أن سياسة لبنان البترولية مستوحاة من «النموذج النروجي»، برغم أن هذه السياسة لا تمت بصلة لهذا النموذج. لا بل إنها تقف وإياه على طرفي نقيض كما تدل على ذلك الحقائق التالية:
1 ـ المشاركة المباشرة للدولة وإنشاء شركة بترول وطنية
في طليعة ما سمي «الوصايا» التي تبناها البرلمان النروجي منذ العام 1971 لرسم سياسة البلاد البترولية، تبرز في المقام الأول الحاجة الملحة لقيام الدولة بمسؤولية «إدارة» و»مراقبة» صناعة البترول والغاز، وذلك من خلال شركة وطنية. وهذا ما حصل في الواقع منذ العام 1972 عندما تم إنشاء الشركة الحكومية ستاتويل Statoil إلى جانب الإدارة العامة للبترول Oljedirectorat التي أصبحت تلعب دوراً محورياً في تطوير الكفاءات الفنية والتنظيمية الوطنية وفي الإشراف المباشر على الأنشطة البترولية.
أما في لبنان فقد سارت الأمور على عكس ذلك تماماً. فبرغم أن القانون البترولي 132/2010 قد نص بوضوح على ضرورة مشاركة الدولة في استثمار ثرواتها من البترول والغاز، فقد جاء مشروع المرسوم التطبيقي الخاص بنموذج عقود التنقيب والإنتاج مع الشركات ليؤكد بكل بساطة وبالحرف الواحد أنه «لن يكون للدولة نسبة مشاركة في دورة التراخيص الأولى» (المادة 5)، مما يشكل مخالفة صارخة لأحكام القانون من قبل وزارة الطاقة، وهيئة البترول التابعة لها.
2 ـ الشفافية
منذ البداية، أي في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، تم ترسيخ الشفافية في سياسة النروج البترولية من خلال حوار وطني عام وسيل من الدراسات والتقارير البرلمانية التي غطت شتى أوجه هذه الصناعة ومستلزمات وضعها في خدمة المجتمع النروجي. وكانت هذه الشفافية وما زالت درعاً واقياً ضد الفساد واستغلال السلطة لمآرب خاصة. أما في لبنان، وباستثناء قانون 132/2010 الذي وضع بعض المبادئ العامة، فلم يتم أي حوار متكامل وشامل داخل المجلس النيابي أو في وسائل الإعلام أو الجامعات أو سائر ممثلي المجتمع المدني. والأسوأ من ذلك كله هو أن أهم مشاريع المراسيم التطبيقية الخاصة بنظام الاستثمار ما زالت محاطة بسرية لا تقل عن سرية أهم أسرار الدولة.
3 ـ نظام استثمار كارثي
إن ما كتبته، سعادة السفير، حول مساعدة النروج للبنان، يستحق الاهتمام لأنه يؤكد ويثبت أن هذه المساعدة لم تقتصر على المسائل الفنية، بل تعدت ذلك إلى الإطار القانوني، خاصة نظام الاستثمار الذي يحدد أسس العلاقة بين الدولة والشركات البترولية، وما تنطوي عليه من حقوق وواجبات كل من الطرفين.
إلا أن ثمة التباساً كبيراً في لبنان حول هذا الموضوع الجوهري بسبب التناقض بين أحكام قانون 2010، من جهة، ونص مشروع المرسوم التطبيقي الذي وضعته وزارة الطاقة وهيئة البترول، من جهة ثانية. ففي حين يقضي القانون باعتماد نظام الاستثمار المعروف بتقاسم الإنتاج
(Production Sharing Agreement, PSA) الذي يعني تلقائياً مشاركة الدولة من خلال شركة وطنية، نرى أن مشروع المرسوم التطبيقي قد ضرب بهذا المبدأ عرض الحائط واستعاض عنه بمفهوم ممسوخ يسميه «تقاسم الأرباح». وهذا يعني بتعبير آخر نظام استثمار مختلف كلياً عن عقود تقاسم الإنتاج، لأنه يتعارض مع أي مشاركة حكومية ولا يستدعي إنشاء شركة وطنية، بل يطلق يد الشركات العاملة للقيام بكل الأنشطة البترولية وتحديد شتى عناصر الدخل والكلفة والأرباح.
هذا التناقض يطرح السؤال عما إذا كان تجاهل وتشويه بعض المبادئ الأساسية التي نص عليها قانون 2010 قد حصلا في النسخة الإنكليزية الأصلية للمراسيم التطبيقية التي صيغت في النروج، أم في الترجمة إلى العربية التي أشرف عليها مسؤولون في بيروت بعدما أدخلوا عليها تعديلات تمليها مصالح خاصة محلية، وتمهد الطريق للسمسرات والرشى. ومن الأمثلة على هذه الانحرافات تجدر الإشارة بشكل خاص إلى: (1) العودة بلبنان تحت ستار «تقاسم الأرباح»، عشرات السنين إلى الوراء وإلى شكل من أسوأ أشكال الامتيازات القديمة، و(2) إقحام اسمي شركتين وهميتين لا وجود لهما إلا على الورق في اللائحة الرسمية لـ46 شركة أعلنت وزارة الطاقة وهيئة إدارة قطاع البترول رسمياً عن «تأهيلها» للحصول على حقوق تنقيب وإنتاج. هاتان الشركتان (Petroleb و Apex Gas Ltd) تم تسجيلهما قبيل التأهيل برساميل رمزية، الواحدة في بيروت والثانية في هونغ كونغ، برأسمال 10.000 دولار هونغكونغي، أي ما يعادل 1.290 دولار أميركي فقط لا غير! إن القول والحال هذه أن السياسة اللبنانية مستوحاة من النموذج النروجي لا يمكن اعتباره مديحاً لبلادكم…
4 ـ تنظيم القطاع البترولي وتوزيع الصلاحيات
في النروج كما في شتى أنحاء العالم يقوم تنظيم قطاع البترول والغاز ويتم توزيع صلاحيات الجهات المسؤولة عنه بشكل واضح وشفاف بين السلطات والهيئات المعنية، أي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وهيئة تنظيمية مستقلة، وهيئة استشارية وشركة أو عدة شركات وطنية عاملة، إلخ.. أما في لبنان، فقد تم حصر القسم الأعظم من هذه الصلاحيات، في هيئة إدارة قطاع البترول التي يشرف عليها مجلس إدارة من 6 أعضاء اختارهم وزير الطاقة ويعملون تحت إشرافه المباشر من دون أي رقيب أو حسيب. وغني عن القول أن هذا الوضع الشاذ هو أدنى من الحد الأدنى اللازم لتأمين الحرفية والشفافية والمحافظة على المصلحة العامة.
5 ـ خسائر مالية فادحة
على أساس النصوص الحالية، سيقتصر دخل الدولة خلال سنوات الإنتاج الأولى على إتاوة تعيسة لا تتجاوز 4 في المئة للغاز و12- 5 في المئة للبترول، يضاف إليها فيما بعد، إذا، وعندما تعلن الشركات عن أرباح، ضريبة دخل 15 في المئة وقسم من الأرباح يحدد عن طريق «المزايدة»! تبعاً لذلك لن يتعدى نصيب الدولة 35 في المئة من أرباح الشركات. هذه النسبة لا تتجاوز في أحسن الحالات ثلث دخل النروج حيث تبلغ ضريبة الدخل العادية 27 في المئة، تضاف إليها ضريبة خاصة 51 في المئة على الشركات البترولية ورسوم أخرى ترفع نصيب الدولة (Government Take) إلى حوالي 90 في المئة من أرباح الشركات البترولية.
هذه الفروقات تعرّض لبنان لخسائر قد ترتفع إلى عشرات المليارات من الدولارات، ومن البديهيات أن النموذج النروجي منها براء!
6 ـ دور ستاتويل
بين الشركات العالمية التي تم تأهيلها للحصول على حقوق تنقيب وإنتاج في لبنان، تستحق شركة ستاتويل النروجية انتباهاً خاصاً، وذلك بسبب المساعدة التي تقدمها النروج إلى لبنان في هذا المجال. ولا بد من التذكير بأن طبيعة هذه الشركة وأهدافها قد تبدلت تماماً منذ تأسيسها قبل 43 عاماً، عندما انطلقت كشركة حكومية 100 في المئة مهمتها تأمين مشاركة السلطات الوطنية في استثمار ثروات بحر الشمال والحد من هيمنة الشركات الأجنبية. إلا أن هذه المهمة قد تغيرت على مرحلتين. المرحلة الأولى بدأت العام 1990، عندما أعلن رئيسها آنذاك هارلد نورفيك عن تحول إستراتيجي في أهدافها عبر امتداد دورها من السوق المحلية إلى الأسواق العالمية. أما المرحلة الثانية فقد جاءت في حزيران العام 2001، عندما تمّ إقرار خصخصة 30 في المئة من رأسمالها، ودخولها إلى بورصات أوسلو ونيويورك وتأكيد السلطات النروجية أن هذه الشركة «أصبحت تعمل وفق المعايير الكلاسيكية للربحية وتدار على هذا الأساس».
منذ ذلك التاريخ، أصبحت «ستاتويل» شركة كأي شركة أخرى تواجه في الأسواق العالمية منافسة حادة لا تترك لها خياراً آخر غير السعي لتحقيق أعلى مستوى ممكن من الأرباح، أي فيما يخص عقود التنقيب والإنتاج، عائداً داخلياً (Internal Rate Of Return) لا يقل عن 20 في المئة. هذا بالإضافة إلى أفضل الشروط الممكنة من ناحية الاستقلالية في الإدارة وأخذ القرارات من جهة، وتقاسم الأرباح مع البلد المضيف، من جهة ثانية.
ولا شك أن شركة «ستاتول»، شأنها في ذلك كشأن سائر شركات البترول الوطنية التي أنشئت وتطورت في البلدان العربية وغيرها، كان من المفترض أن تكون مثالاً يحتذى في لبنان. إلا أنه من المؤسف والمؤلم أن المسؤولين عندنا قد فضلوا سلوك طريق معاكس عندما رفضوا مبدأ المشاركة ورفضوا إنشاء شركة وطنية وفضلوا عوضاً عن ذلك ترك الحبل على غاربه لشركات أجنبية، وبشروط لا مثيل لها في العالم.
لهذه الأسباب كلها يمكن القول إن الاستمرار بالتغني بالنموذج النروجي هو لا أقل ولا أكثر من التمويه والتضليل للرأي العام اللبناني. ولا بد لإزالة كل التباس حول هذا الموضوع ووضع النقاط على الحروف، من معرفة ما إذا كانت الجهات المعنية في النروج تعتبر أن السياسة التي انتهجها لبنان والتدابير التي اتخذها تتماشى حقيقة، ولو إلى حد زهيد، والتجربة البترولية النروجية.
بانتظار جوابكم أرجو التفضل، سعادة السفير، بقبول فائق التقدير والاحترام.

نقولا سركيس