كيفية استرجاع 750 كيلومتراً مربعاً من المساحة البحرية اللبنانية

تفاجأت السلطات اللبنانية بخبر مصادقة مجلس الشّعب السوري وتوقيع الرّئيس السوري في أوائل شهر آذار 2021 على عقد أُبرِم مع شركة “كابيتال” الروسية للتنقيب عن النفط والغاز وإنتاجهما في “البلوك” البحري رقم 1 الواقع في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسوريا، مقابل ساحل محافظة طرطوس والممتدّ حتى الحدود البحرية السورية – اللبنانية، بمساحة 2250 كلم². وتبيّن الإحداثيات المذكورة في العقد حدود “البلوك” الملزّم الذي يتداخل بشكل كبير مع”البلوك” رقم 1 ورقم 2 من الجانب اللبناني، أي ما يُقارب 750 كيلو مترًا مربّعًا داخل الحدود البحرية اللبنانية

أمّا مدّة العقد فعلى مرحلتين، الأولى هي فترة الاستكشاف ومدتها 48 شهرًا تبدأ عند توقيع العقد، مع إمكانية تمديدها لـ36 شهرًا إضافيًّا  بطلب من الشركة، والفترة الثانية فإنّها مرحلة التّطوير والإنتاح ومدّتها 25 عامًا، قابلة للتمديد لخمس سنوات إضافية. أمّا متطلّبات الحدّ الأدنى المفروضة على الشركة الملتزمة فتعتبر متدنية مقارنةً بعقود مشابهة، إذ يلزم العقد المقاول في فترة الإستكشاف الأولى فقط بمسح زلزالي ثنائي الأبعاد لـ500 كلم طولي وثلاثي الأبعاد لـ200 كيلو متر مربع وحفر بئر استكشافي واحد. وأن يكون الحد الأدنى لمجموع نفقات التنقيب 13 مليون دولار أمريكي

  بالمقابل،  لزّم لبنان “البلوك” رقم 4 لائتلاف ثلاث شركات وقد تجاوز الإنفاق خلال الفترة الأولى المحدّدة بثلاث سنوات الستين  مليون دولار أمريكي

وتُعدّ المنطقة البحرية الحدودية مع سوريا نقطة نزاع منذ العام 2011، فقد حدّد لبنان منفردًا النّقطة الحدوديّة رقم (6) وأبلغ عنها  الأمم المتحدة في العام 2010، وأعاد تصحيحها في العام 2011 بتثبيت النقطة رقم (7) وتمّ تبليغ الأمم المتحدة إثره. وبعد أن رسّم لبنان منفرداً حدود منطقته الاقتصادية الخالصة الشمالية، عمدت سوريا إلى القيام بالممارسة ذاتها لجهة ادّعاء ملكيّة قسم من المنطقة الإقتصادية الخالصة العائدة للبنان. ولم تعترف بما سَمّته ترسيماً أحادياً من الجانب لبنان، لذا أقدمت عام 2014 على تقديم اعتراض في حق لبنان إلى الأمم المتحدة تفيد بأن التّرسيم الذي أجراه لبنان عام 2011 يعنيه وحده ولا تعترف هي به، وأنّ ما يعنيها هو القانون السوري رقم 10 فحسب، الّذي تستند إليه لترسيم الحدود

إنّ طريقة ترسيم الجانب السوري لبلوكاته تتضارب مع الطريقة القانونية التي رسم فيها لبنان حدوده البحرية مع الجانب السوري، ما أنتج هذا التقاطع في البلوكات اللّبنانية والسورية

من المتوقّع أن تتحرّك السّلطات اللّبنانية بسرعة على خلفية هذه التطورات للتّوصّل إلى حلٍّ نهائيٍّ لهذا النّزاع الحدودي لمنع الشركة الروسية من العمل في المياه اللّبنانية وليقفل هذا الملف وتصبح حدود لبنان الشّمالية مرسّمة وجاهزة لأي عمليّة تلزيم مستقبليّة خصوصًا أنّ “البلوكين” رقم 1 و2  كانا مطروحين للتلزيم في دورة التّراخيص الثّانية الّتي تأجّلت لوقتٍ لاحقٍ ممّا يشجّع الشّركات العالميّة على تقديم عروضها لهذين “البلوكين”. فمن دون أيّ اعتراض وتحرك من الجانب اللبناني يعني تخلّي لبنان عن حقّه في جزء من البلوكات البحرية الشمالية، لاسيما وأنّه حتى الساعة لم يُسائل أيّ مسؤول لبناني سوريا وفق أيّ معايير اعتمدت هذا التّرسيم. وبالتالي، فغض النّظر سيجعلّ المسوحات الزلزاليّة وعمليات التّنقيب متاحة للجانب الروسي في البلوك بأكمله

إن هذه الخطوات، رغم أنها ضرورية وتصبّ في مصلحة لبنان، إلا أنها قد تدخل لبنان في إشكاليّة سياسية داخليّة: فهل يتكوّن إجماع للتفاوض مع النّظام السوري الحالي؟

مع العلم أنّ العقد الموقّع يعترف بصورة واضحة في الملحق رقم 1 (وصف المنطقة، صفحة 128)  بإشكالية حدود “البلوك” مع لبنان إذ يلزم “المقاول بكافة المعاهدات والإتّفاقيات الدّولية المستقبلية بين الحكومة السورية واللّبنانية بخصوص إحداثيات البلوك الجنوبية”. فالبند حول عدم نهائية الحدود الجنوبيّة “للبلوك”رقم 1 وفقًا لما حدّده الجانب السّوري أقرّ به المشرّع  والرّئيس السّوري،  لذا ّ التّفاوض مع الدّولة اللّبنانية لترسيم الحدود بحسب قانون البحار والقوانين والأعراف الدّوليّة أصبح أمرًا ماسًّ

فإنّ شركة “كابيتال” الرّوسية اسم جديد في عالم النفط والغاز، أنشطتها السابقة في هذا القطاع غير معروفة. لقد تأسّست سنة 2017 متّخذة محل إقامة في سان بطرسبرج ومسجّلة في السجل التّجاري الرّوسي تحت الرّقم 7806294969، ما يثير الشّكوك بقوّة حول أعمال هذه الشّركة التي يمكن أن تكون مجرّد واجهة لأشخاص نافذين سياسيًّا، أكانوا سوريين أو روس. بغض النّظر عن أي فساد مرتبط بهذه الصفقة فما يهمّ لبنان على هذا الصعيد هو المحافظة على حقوقه وثرواته، إذ أنّ شركة كهذه قد لا تلتزم بالمعايير والقوانين الدّوليّة، وبهذا لن يكون لها ما يردعها عن القيام بنشطات وعمليات تنقيب في مياه متنازع عليها وبالتالي الامتداد إلى “البلوكين” اللّبنانيين المجاورين

ومن هذا المنطلق، لا بدّ من الإسراع في ترسيم الحدود البحريّة الشّماليّة كما الجنوبيّة وتعديل المرسوم 6433 لتسريع عمليّة التّنقيب والاستخراج في المياه اللبنانية على نحوٍ أكبر

عبود زهر – اختصاصي في النفط والغاز