“هندسات” مصرية تعيد رسم خريطة الغاز في المتوسط

بعد ترسيم الحدود البحرية مع اليونان، وبعد اتفاقية تشغيل محطة دمياط، ها هي مصر “تضرب مجدداً” في إسرائيل وفلسطين، معززة موقعها كمركز إقليمي للنفط والغاز، وكدولة اساسية في المنطقة. فقد تولى “المهندس” طارق الملا وزير الطاقة والثروة المعدنية في نهاية فبراير الماضي، الإعلان عن توقيع ثلاث اتفاقات ومذكرات تفاهم تشكل في أبعادها وتكاملها نموذجاً في إدارة الملفات الشائكة؛ وهي: اتفاقية استجرار غاز حقل لفياثان الإسرائيلي إلى مصر، والتي تحل مشكلة إسرائيلية مستعصية لتصدير الغاز، وتم استخدام ذلك كورقة للضغط على إسرائيل لتمرير الاتفاقية الثانية المتعلقة بإعادة تشغيل حقل غزة مارين الفلسطيني الذي تعطل استغلاله إسرائيل منذ 20 عاماً، علماً ان مصر تحتاج الغاز الإسرائيلي لتشغيل محطة دمياط للتسييل المتوقفة عن العمل منذ ثماني سنوات، وهي موضوع الاتفاقية الثالثة التي أنهت نزاعاً طويلاً وحكماً قضائياً بتغريم مصر نحو 2.13 مليار دولار

اتفاقية حقل لفياثان

شهد الوزير طارق الملا ونظيره الإسرائيلي توقيع اتفاقية مدتها عشر سنوات وقيمتها نحو 15 مليار دولار، بين شركة نوبل أنيرجي الأميركية وشركة دولفينوس المصرية لتصدير 64 مليار متر مكعب من الغاز المستخرج من حقلي تمار ولفياثان إلى محطة دمياط لتسييل الغاز. وتتميز الاتفاقية بأنها بين شركات خاصة وتهدف إلى استيراد الغاز الإسرائيلي لتسييله وإعادة تصديره، كما إن نقل الغاز سيتم أيضاً عبر خطوط أنابيب تملكها شركات خاصة. وهناك خيارات متاحة عدة؛ أولها خط الأنابيب الذي تمتلكه شركة غاز شرق المتوسط، أو إنشاء خط بحري جديد. وتكتسب الاتفاقية أهميتها لأنها تشكل الحل الوحيد المتاح أمام إسرائيل لتصدير إنتاجها الفائض عن حاجتها، خصوصاً بعد الارتفاع المطرد في انتاج حق لفياثان واقتراب موعد الانتاج في حقل كاريش

اتفاقية الغاز الفلسطيني

إنطلاقاً من حاجة إسرائيل لتصدير الغاز، وفي تزامن وتلازم ذي دلالة سياسية واضحة، وقّع الوزير طارق الملا مع مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الاقتصادية ورئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمار الفلسطيني د. محمد مصطفى مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الطاقة وبخاصة الغاز. كما رعى الوزير الملا توقيع مذكرة تفاهم بين الجهات المالكة لامتياز حقل غزة مارين حالياً وهي صندوق الاستثمار الفلسطيني وشركة اتحاد المقاولين  CCC من جهة والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية “إيغاز” من جهة أخرى. وتهدف المذكرة إلى تطوير وإعادة تشغيل حقل “غزة مارين”، لتوفير احتياجات فلسطين من الغاز الطبيعي مع إمكانية تصدير جزء من الانتاج إلى مصر لتسييله وإعادة تصديره إلى الخارج وتحويل العوائد المالية مباشرة إلى الفلسطينيين

وقد لخص رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية أهمية المذكرة بقوله “سيتم تزويد قطاع غزة من غازنا الذي ستطوره مصر، وليس من الغاز الإسرائيلي في إطار اتفاقية المقايضة”، مضيفاً أن “الشراكة مع مصر والانفكاك عن الاحتلال، هو في صلب استراتيجيتنا التنموية والتطويرية، فمصر تشكل عمقنا العربي والداعم الدائم لنا لتحقيق الاستقلال والحرية والدولة المستقلة”

أما الوزير طارق الملّا فأكد على: “تمسك القيادة المصريّة بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وعلى دعم الحقوق السيادية لدولة فلسطين على مواردها الطبيعية ومن ضمنها حقل غاز غزة وضرورة البدء بتطويره في أقرب وقت ممكن”

CCC حلم الغاز ودور شركة

تستند أهمية مذكرتي التفاهم مع فلسطين، إلى بعدين الأول اقتصادي ـ تنموي والثاني سياسي

يتعلق البعد الأول بكسر الحصار الإسرائيلي على ثروة الغاز في مياه فلسطين وهي ثروة ضخمة يشكل البدء باستغلالها نقطة تحول على المستويات الاقتصادية والتنموية وحتى السياسية. فقد تم اكتشاف “حقل غزة مارين” في مطلع العام 2000، وكاد حلم كبيرين من فلسطين هما ياسر عرفات وسعيد خوري رئيس شركة اتحاد المقاولين CCC أن يصبح حقيقة، لتنعم فلسطين باستقلالها في مجال الطاقة، واستند الأمل بتحقق الحلم إلى قوة الكونسورتيوم الذي تولى التنفيذ والمكون من شركة “بريتش غاز” البريطانية وشركة CCC وصندوق الاستثمار الفلسطيني، كما استند إلى ضخامة مخزون الغاز في بحر فلسطين، إذ تشير تقديرات متحفظة، إلى أن احتياطي الغاز في حقل “غزة مارين” يبلغ نحو 33 مليار متر مكعب، أي ما يكفي لسد احتياجات الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة 25 عاماً بحسب معدلات الاستهلاك الحالية

ولكن سلطات الاحتلال من جهة والخلافات السياسية من جهة أخرى، نجحت في وأد المشروع في مهده، وتم تعطيل مباشرة العمل رغم الجهود المكثفة لشركة “بريتش غاز”، الأمر الذي اضطرها إلى بيع حصتها في الرخصة في العام 2016، إلى شركة “شل” مقابل 54 مليار دولار، بعد حصول الأخيرة على وعد من السلطات الإسرائيلية بتسهيل استغلال الحقل. ولكن إسرائيل نكثت بهذه الوعود، ما دفع شركة “شل” إلى الخروج من المشروع في العام 2018

ورغم غياب سعيد خوري، فقد كانت شركة إتحاد المقاولين CCC جاهزة مع أبنائه لتحمّل المسؤولية، حيث تمت إعادة تشكيل الكونسورتيوم ليتكون من صندوق الاستثمار الفلسطيني وشركة CCC، بحصة قدرها 27.5 في المئة لكل منهما، على أن يتم تخصيص الـ 45 في المئة لشركة عالمية، وهذه الحصة أو جزء منها، ما تسعى وراءه تركيا حالياً

البعد السياسي للإتفاقية

أما البعد السياسي والذي لا يقل أهمية فهو يتجلى على مستويين

ترسيخ استقلالية فلسطين: حرصت مصر على إعطاء القوة القانونية لمذكرتي التفاهم بالاستناد إلى عضوية فلسطين كدولة مؤسسة في منتدى غاز شرق المتوسط على قدم المساواة مع مصر وإسرائيل والذي ينص نظامه الأساسي على “تسهيل استغلال الدول الأعضاء لمواردها الطبيعية بخاصة الغاز”، وكذلك بالاستناد إلى حصول فلسطين في العام 2012 على صفة مراقب كدولة غير عضو في الأمم المتحدة ما يتيح لها أن تكون عضواً في الاتفاقات الدولية التابعة للأمم المتحدة، ومن ضمنها اتفاقية قانون البحار، وهو الأمر الذي يؤكد حقها بالتالي في إبرام اتفاقات ترسيم الحدود البحرية واستغلال الموارد  الطبيعية

 قطع الطريق على تركيا: لنتذكر العتب بل الغضب المصري من المحادثات التي أجراها وفدا حركة حماس والسلطة الفلسطينية في أنقرة مؤخراً، حول المصالحة الداخلية والتي تطرقت إلى مسألتي ترسيم حدود بحرية مصطنعة بين فلسطين وقبرص التركية على غرار الاتفاقية الموقعة مع حكومة الوفاق الليبية، كما تطرقت إلى إمكانية دخول تركيا كشريك في حقل “غزة مارين” من خلال شراء جزء من الحصة المطروحة للبيع وقدرها 45 في المئة، وهو الأمر الذي دفع بنائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري إلى القيام بزيارة سريعة للقاهرة في أكتوبر الماضي لامتصاص الغضب المصري والتعهد بدعم المساعي المصرية لاستغلال الحقل المذكور وترسيم الحدود البحرية بين مصر وفلسطين

وهنا يطرح السؤال “شو عدا ما بدا” حتى تبدأ حركة حماس بإطلاق النار على مذكرة التفاهم فور توقيعها بدعوى عدم مشاركتها فيها وعدم إطلاعها على تفاصيلها، وهي كانت على علم بكل التفاصيل. وهل يعقل ان تصبح قضية بهذه الحساسية والأهمية مجرد مادة للسجال السياسي و”سلعة في بازار الصراعات الإقليمية؟”

اتفاقية تشغيل محطة دمياط

كانت المحطة عند بدء تشغيلها في العام 2004، تعتبر أكبر مصنع لتسييل الغاز في العالم، بطاقة انتاجية تبلغ 5 ملايين طن سنوياً. وتملكت المشروع شركة تساهم فيها شركة “يونيون فينوسا غاز” (تملكها شركة ناتورجي الإسبانية بنسبة 40 في المئة وشركة إيني الإيطالية بنسبة مماثلة)، و10 في المئة لكل من الشركة المصرية القابضة للغاز الطبيعي “إيغاز” والهيئة المصرية العامة للبترول، لكن العمل توقف في المحطة في العام 2013، بعد تراجع إنتاج الغاز في مصر. وقد رفعت الشركة الإسبانية دعوى ضد مصر، وحصلت على حكم قضائي بتغريمها مبلغاً قدره 2.13 مليار دولار كتعويض

وقاد وزير البترول والثروة المعدنية المصري ورئيس شركة إيني مفاوضات شاقة مع الشركة الإسبانية، أدت إلى إبرام تسوية تقضي بتخلي شركة “ناتورجي” عن حصتها في المشروع وليتم بالتالي توزيع الحصص بنسبة 50 في المئة لشركة “إيني”، و 40 في المئة لشركة “إيغاز” و10 في المئة للهيئة العامة للبترول، كما نصت التسوية على أن تتقاضى شركة “ناتورجي” مبلغ 600 مليون دولار يتم تسديده على دفعات

وحققت الاتفاقية مكاسب ضخمة لكل من شركة “إيني” بتعزيز موقعها في قطاع الغاز في المنطقة ولتصبح من أكبر منتجي النفط والغاز في أفريقيا، خصوصاً وأنها تشغل أكبر حقل للغاز في المتوسط وهو حقل “ظهر” المصري، ولتكون مصر الرابح الأكبر بتوفير مبلغ يقارب 1.5 مليار دولار، وتملك نصف المحطة وإعادة تشغيلها ما يسهم في ترسيخ موقعها كمركز وحيد في شرق المتوسط لتجميع وتصدير الغاز

ترسيخ دور المركز الاقليمي

تصب الاتفاقات الثلاث في خدمة المشروع المركزي وهو تحويل مصر إلى مركز إقليمي للغاز، ولخص الرئيس عبد الفتاح السيسي هذه التطورات بقوله: “إن مصر هي الدولة الوحيدة في منطقة المتوسط التي تمتلك منشآت لتقديم خدمات بترولية، مضيفاً أنه كان لا بدّ من استثمار ذلك لاستقطاب الغاز القبرصي واللبناني والإسرائيلي”

وهو ما حدث فعلاً حيث تم إبرام اتفاقية مع قبرص لمد خط أنابيب إلى مصر لتسييل الغاز القبرصي وتصديره، يضاف إلى ذلك نجاح مصر بتطوير بنية تحتية متكاملة تشمل؛ إلى محطات التسييل شبكة من خطوط نقل البترول والغاز والموانئ. والأهم من ذلك بنية إطار قانوني وتنظيمي شمل تحرير وتنظيم سوق الغاز وفتح المجال أمام الشركات الخاصة لاستيراد وتصدير الغاز، وكذلك إنشاء جهاز لتنظيم سوق الغاز الطبيعي. وجاء إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط ليشكل محطة رئيسية على طريق ترسيخ المكانة الدولية لمصر كمركز للطاقة

وقد توقعت بلومبرغ ان تصبح مصر بين أكبر 10 دول مصدرة للغاز حين تصل إلى طاقتها الإنتاجية الكاملة. وكان الوزير طارق الملا قد أشار إلى التحسن الكبير في صادرات الغاز من مصر إلى أوروبا ودول أخرى ابتداء من شهر أكتوبر 2020، حيث تم حجز كامل انتاج محطة التسييل حتى نهاية شهر آذار/ مارس 2021