اللعب الاسرائيلي في الوقت الضائع

Image

المفاوضات المتعلّقة بالنزاع البحري مع إسرائيل متوقفة، ولا توجد مؤشّرات تدلّ على إمكان تحريكها قريبًا. لكن يبدو أنّ إسرائيل قررت في الوقت الضائع تحريك الملف على طريقتها، من خلال الخرائط البحريّة التي أعلنت من خلالها إطلاق دورة التراخيص الرابعة. وعلى الرغم من أنّ دورة التراخيص هذه لا تشمل فعليًّا البلوك الحدودي رقم 72، المحاذي للمناطق البحريّة المتنازع عليها مع لبنان، احتوت الخرائط تعديلات مفاجئة بالنسبة لهذا البلوك، الذي جرى توسعة نطاقه ليشمل أجزاءً واسعة من المناطق البحريّة المتنازع عليها في البلوكين 8 و9 اللبنانيين. مع العلم أنّ حساسيّة المسألة تنبع من كون البلوك 72 تم عرضه للتلزيم والاستثمار بموجب دورة التراخيض السابقة التي أعلنت عنها وزارة الطاقة الإسرائيليّة، من دون أن يشمل في ذلك الوقت أيًّا من المناطق البحريّة المتنازع عليها مع لبنان

هذه الخطوة كانت كافية لإثارة بلبلة واسعة النطاق في الأوساط الدبلوماسيّة المتابعة لملف النزاع الحدودي اللبناني الإسرائيلي، خصوصًا وأنّها جاءت خلال فترة من الجمود الذي يسيطر على مسار المفاوضات. وفي وقت لاحق، سحبت وزارة الطاقة الإسرائيليّة الخريطة عن موقعها الإلكتروني، من دون أن توضح أسباب وضع الخريطة بهذا الشكل ومن ثم إزالتها لاحقًا. لكنّ العديد من الخبراء المتابعين للملف، استبعدوا أن تكون الخطوة مجرّد خطأ تقني عابر، خصوصًا وأنّ مساحة البلوك 72 جرى تعديلها في الخريطة بشكل مدروس، لتقضم كامل المساحة التي تقع شمال البلوك في المنطقة المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل. علمًا أنّ إسرائيل عمدت طوال السنوات الماضية، إلى فصل المناطق البحريّة التابعة لمساحة الـ865 كلم2 المتنازع عليها مع لبنان، عن البلوكات المعروضة للتلزيم كالبلوك 72، من خلال تصنيفها ضمن أربعة بلوكات منفصلة ومحيّدة عن أنشطتها الاستثماريّة.

عمليًّا تشير مصادر متابعة للملف إلى وجود احتمالين للأسباب الكامنة خلف الخطوة الإسرائيليّة.

الاحتمال الأوّل: هو أن تكون خطوة عرض الخريطة وسحبها، رسالة إلى الوفد المفاوض اللبناني، الذي دخل جولة المفاوضات السابقة بسقف مرتفع وسّع من خلاله المساحة التي يطلب التفاوض عليها، من 860 كلم2 إلى نحو 2290 كلم2. وهكذا، تحاول إسرائيل الإشارة من خلال الخريطة، إلى استعدادها لتغيير قواعد اللعبة، وفتح الباب أمام احتمالات وسيناريوهات جديدة، من قبيل تجاهل النزاع الحدودي في أنشطتها وعقودها الاستكشافيّة المقبلة.

الأكيد حتّى اللحظة هو أنّ إسرائيل تستفيد حاليًّا من عامل الوقت في ظل جمود مسار التفاوض، بانتظار إطلاق عجلة العمل في حقل كاريش في شهر حزيران المقبل. فهذا الحقل الذي كان يحاذي منطقة الـ860 كلم2 المتنازع عليها في البداية، بات أكثر من نصفه يقع في المنطقة المتنازع عليها، بعد أن وسّع الوفد اللبناني حجم المنطقة المتنازع عليها إلى 2290 كلم2. وهكذا سعى الوفد اللبناني من خلال هذه الخطوة، إلى زيادة الضغط على إسرائيل، عبر ضمّ مساحات من هذا الحقل إلى المنطقة التي يفاوض عليها لبنان، وتهديد الإسرائيليين بإمكان عرقلة إطلاق الإنتاج فيه لاحقًا. ولذلك تحاول إسرائيل اليوم شراء الوقت في ظل توقّف المفاوضات، لتسريع البدء بالعمل في حقل كاريش قبل استئنافها، لإخراج هذا الحقل من معادلة التفاوض مع الوفد اللبناني بشكل تام.

أما الاحتمال الثاني: فيتمثّل في إمكان أن تكون وزارة الطاقة الإسرائيليّة حاولت تعديل نطاق البلوك 72 فعلًا، قبل أن تتلقّى ضغوطًا أو نصائح من الشركات البتروليّة، بالعدول عن هذه الخطوة وسحب الخريطة، لعدم ربط عمليّة عرض وتلزيم البلوك 72 بالنزاع الحدودي مع لبنان.

لهذا السبب، تشير المصادر، إلى أنّ لبنان بحاجة إلى تصحيح المرسوم المتعلّق بتحديد المنطقة البحريّة الذي أقرّه مجلس الوزراء منذ نحو عشر سنوات، لتضمين الحدود التي تقرّ بها الدولة اللبنانيّة المساحة الإضافيّة التي طالب بها الوفد اللبناني في المفاوضات مؤخرًا، والتي تصل إلى حدود الـ2290 كلم2 بدل 860 كلم2. وهذه الخطوة مطلوبة أولًا لتمكين لبنان من استعمال ورقة الاعتراض لدى الأمم المتحدة، على مباشرة شركة “انرجين” اليونانيّة العمل بحقل كاريش في شهر حزيران، من أجل الضغط على إسرائيل ودفعها للتنازل والعودة إلى طاولة المفاوضات، خصوصًا وأنّ الشركات البتروليّة تمتلك حساسيّة مفرطة من العمل في الحقول البتروليّة المتنازع عليها. كما يحتاج لبنان هذه المراسيم لتوفير الغطاء القانوني المطلوب لسقف الوفد اللبناني المرتفع على طاولة المفاوضات، خصوصًا وأنّ مطالب الوفد الحاليّة تتجاوز بكثير الحدود التي أقرّ بها مجلس الوزراء منذ عشر سنوات.

حتّى اللحظة، لم يوافق رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب على فكرة تعديل المرسوم، رغم حماسة قيادة الجيش التي حملت منذ البداية فكرة توسيع نطاق المنطقة التي يطالب بها لبنان إلى حدود الـ2290 كلم2. فدياب يصرّ على تأمين الإجماع الداخلي على فكرة المرسوم قبل إقرارها، ورئيس المجلس النيابي نبيه بري لم يعطِ حتّى اللحظة بركته، لاعتباره أنّ “توسيع بيكار” المطالب اللبنانيّة اليوم، سيُظهر الدولة بصورة المتخلّي عن حقّها لاحقًا بعد حصول التنازلات الواقعيّة المتبادلة. كما يعتبر برّي أنّ تضخيم الحجر من ناحية لبنان، سيقابله خطوة إسرائيليّة مماثلة، وهو ما سيفضي إلى زيادة المساحات البحريّة التي لن يتمكّن لبنان من استثمارها جنوبًا بسبب النزاع الحدودي.

وبغياب الإجماع حول فكرة المرسوم، تتضاءل فرص إقراره. أما البديل في الوقت الراهن، فهو انتظار إعادة تحريك ملف المفاوضات خلال الفترة المقبلة، عند استئناف الأميركيين لوساطتهم الحدوديّة بين الطرفين.

alsadaranews.com المصدر