البترول والغاز في لبنان نعمة أم نقمة؟

Leb 1

ما زال طبعاً من المبكر تكوين فكرة واضحة عن حجم وقيمة احتياطي البترول والغاز الطبيعي الممكن وجوده في باطن الأرض براً، وفي أعماق البحر على مقربة من الشواطئ اللبنانية. إلا ان ما أصبح واضحاً، على ضوء المسوحات الزلزالية التي تمت حتى الآن، هو أنه لم يعد من المبكر على الإطلاق مراقبة ما يجري عن كثب ورسم معالم التحديات التي يواجهها لبنان جراء انطلاق مرجو لصناعة بضخامة صناعة البترول والغاز. تحديات تنطوي حتماً على فرصة تاريخية لإنعاش الاقتصاد الوطني، وتنويع مرافق الإنتاج، وحل مشاكل البطالة والهجرة ودين خانق يناهز 65 مليار دولار، وغير ذلك من مصاعب الحياة اليومية. إنما هي أيضاً تحديات تحمل في طياتها لسوء الحظ العديد من الآفات والمخاطر التي أدى إليها البترول في بلدان نامية أخرى، آفات ولعنات عنوانها التضخم المالي والفساد واتساع فجوة الفروقات في الدخل بين مختلف طبقات المجتمع الواحد. 

تحدي كبير آخر يكمن في ضرورة حماية البيئة وتجنب كوارث شبيهة بتلك التي حلت في خليج المكسيك وألسكا وغيرها، خاصة وأن عمليات الحفر والإنتاج في المياه اللبنانية سيتم أحياناً في أعماق تتجاوز 5,000 متر تحت قاع البحر. هذه كلها أمور تعكس جسامة المسؤولية التي تقع على من يهيئ انطلاق صناعة البترول والغاز في لبنان.
فإلى أين نحن سائرون؟ للإجابة عن هذا السؤال يكفي النظر إلى أمرين أساسيين. الأول هو تقدير حجم وقيمة الثروة المرجوة، أما الثاني فهو التمعن في التدابير القانونية والإدارية التي تم اتخاذها حتى الآن ومقارنتها بالدراسات المتكاملة والتخطيط المسبق الذي لا بد منه لاستثمار هذه الثروة على أفضل وجه، وتفادي الكوارث التي ما زلنا نشاهدها في بلدان أخرى.

ثروة تقدر بمئات المليارات

تشير التقديرات الأولية التي أدت إليها المسوحات الزلزالية الثنائية والثلاثية الأبعاد مقابل الشواطئ اللبنانية، إلى احتمال وجود مخزون يبلغ حوالي 96 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و860 مليون برميل مكثفات وبترول خام. ولا بد من النظر إلى هذه الأرقام بكثير من التحفظ إذ إن عمليات الحفر قد تثبت أنها مضخمة أو ربما تؤكد عكس ذلك. على سبيل المقارنة، يقدر مجموع مخزون الحقول التي تم فعلاً اكتشافها تحت المياه الإسرائيلية بحوالي 36 تريليون قدم مكعب من الغاز تعتبر الدراسات الأكثر جدية أنها تؤمن لإسرائيل دخلاً بحدود 170 مليار دولار، بشكل إتاوات وضرائب، ونتيجة لاستخراج كامل الاحتياطي الثابت من مجموع المخزون.
أما في لبنان، ومع الأخذ بعين الاعتبار المخزون المحتمل للبترول والغاز معاً، تشير التقديرات الأولية إلى دخل ممكن قد لا يقل عن ضعفي الدخل الذي تتأمله اسرائيل، أي حوالي 340 مليار دولار. هذا مع العلم بأن مخزون الغاز فقط في الرقع رقم 1 و4 و9، من أصل الرقع العشر المعروضة لرخص تنقيب، يقدر بحوالي 43 تريليون قدم مكعب، أي أكثر بنسبة 23% من مجموع ما تم اكتشافه في الجانب الإسرائيلي.
إلا أن الأهم من ذلك هو أن الفوائد التي يمكن أن يجنبها لبنان من هذه الثروة لا تقتصر على قيمتها التجارية، بل تتجاوز ذلك بكثير إذ إنها تشمل أيضاً فوائد غير مباشرة، منها تطوير صناعات ونشاطات اقتصادية مرتبطة بصناعة البترول والغاز، وتوفير فرص عمل لعشرات آلاف اللبنانيين، وتحسن قيمة صرف الليرة اللبنانية، وارتفاع الناتج القومي بمعدل 1 إلى 2 سنوياً، واستعمال الغاز لتوليد الكهرباء وسد حاجات الاستهلاك بكلف أقل من البترول المستورد، وانتعاش ثقة المستثمرين اللبنانيين والأجانب بالاقتصاد الوطني، إلخ…

تعتيم وانحرافات

بانتظار عمليات الحفر التي يمكنها وحدها تأكيد وجود وحجم الثروة البترولية والغازية، تتركز جهود السلطات المعنية على تسليط الأضواء على مليارات الدولارات التي قد تتدفق على لبنان وتداعب أحلام اللبنانيين، في حين أنها تصرف الانتباه عما لا يقل أهمية عن ذلك في المرحلة الراهنة، ألا وهو التوافق على أفضل نظام استثمار ممكن، وعلى سائر التدابير اللازمة كي يكون البترول والغاز فعلاً ثروة لجميع اللبنانيين، للجيل الحالي وللأجيال القادمة. هذا كله لا يمكن أن يتحـقق إلا من خلال حوار عام وشفاف تشارك فيه كل الجهات المعنية، من المجلس النـيابي إلى المجتمع المدني، مروراً بوسائل الإعلام والمراكز المختصة والجامعات التي من حق لبنان أن يفخر بها.
ومن المؤسف أن شيئاً من هذا القبيل لم يحصل حتى الآن، ولا يمكنه أن يحصل طالما أن النصوص القانونية والإدارية المقترحة لانطلاق صناعة البترول والغاز ما زالت مخبأة في أدراج وزارة الطاقة ومحاطة بسرية لا يقل التكتم حولها عن أخطر أسرار الدولة! وفي طليعة هذه النصوص مشروعا المرسومين المتعلقين بدفتر شروط منح حقوق تنقيب وإنتاج، من جهة، ونموذج الاتفاقيات مع الشركات البترولية، من جهة ثانية. ومن الغرائب أن الكل يتحدث منذ ما يقارب العامين عن ضرورة إقرار أو عدم إقرار هذين المرسومين من قبل مجلس الوزراء، في حين أن الاطلاع على مضمونهما ما زال محصوراً على هيئة أعضاء البترول والشركات الأجنبية وعدد ضئيل من المسؤولين. هذا مع العلم بأن هذا النوع من النصوص وغيرها من التشريع البترولي ينشر ويباع في المكتبات في بلدان العالم الأخرى.

الشفافية أولاً وأخيراً

لم يعد من المستغرب بعد هذه الانحرافات والبهلوانيات أن تفرض السرية التامة على «السياسة» البترولية اللبنانية، كما تنص على ذلك حبراً على ورق، تحت عنوان «الالتزام بالسرية»، المادة 35 من نموذج اتفاقيات التنقيب والإنتاج التي تؤكد على أنه «يجب أن تبقى هذه الاتفاقية وجميع المعلومات والبيانات والتحليلات والتفسيرات والنتائج التي يتم جمعها سرية ولا يجوز إفشاؤها إلى أي شخص ثالث».
ومن البديهي أن هذه السرية كما أن صياغة بعض بنود مسودة الاتفاقيات المقترحة هي أفضل حافز للرشاوى.
وإن كان من المؤسف أن يحتل لبنان مرتبة مخجلة في السلم العالمي لقياس تفشي الفساد، فمن غير الصحيح كما يدعي البعض أن كل مؤسسة حكومية لبنانية محكوم عليها الغوص في مستنقع الرشاوى. هذه آفة يمكن تجنبها إن أمّنت بعض الشروط الأساسية، أهمها حسن الإدارة والشفافية ومحاسبة المسؤولين.

أخيراً لا يحتاج المرء للكثير من التفسيرات والبراهين كي يدرك أن الشفافية درع في غاية الفعالية للحماية ضد الفساد وشتى أنواع الانحرافات. هذا كله خاصة في بلد كلبنان يمتاز لحسن الحظ بحرية الرأي وحرية وسائل الإعلام وبشريحة واسعة من النخب والمثقفين ذوي الكفاءات اللازمة لوضع سياسة البترول على مسارها الصحيح، والوقوف في وجه من يحاول التلاعب بمقدرات وآمال اللبنانيين.

نقولا سركيس