انخفاض أسعار النفط سيف ذو حدّين للاقتصاد اللبناني

images[8]

تقرير بنك عودة الاقتصادي عن العام 2014

شهدت الأشهر القليلة الماضية انخفاضاً كبيراً في أسعار النفط العالمية، ما ولّد موجة من التداعيات المتفاوتة في جميع أنحاء العالم. فقد انخفضت أسعار النفط بنسبة تزيد عن 50 في المئة من أعلى مستوياتها الأخيرة لتصل إلى أدنى مستوى خلال خمسة أعوام ونصف، نتيجة عدة عوامل متداخلة منها الإمدادات الإضافية للنفط، ضعف الطلب الإجمالي وارتفاع قيمة الدولار الأميركي. فقد استمرت إمدادات النفط الخام من الصخر النفطي الأميركي في الارتفاع في حين حافظت منظمة أوبك على مستويات مرتفعة ومستدامة من إنتاجها للنفط على الرغم من الوهن السائد في آفاق الأسعار. أما ضعف الطلب فيأتي في سياق خفض تقديرات النمو الاقتصادي العالمي بشكل خاص. أضف إلى ذلك أن ارتفاع قيمة الدولار الأميركي قد عزز الانخفاض المسجل في أسعار النفط.

في هذا السياق، تتزايد التساؤلات حول مدى تأثير انخفاض أسعار النفط على لبنان. هل هو نقمة أم نعمة بالنسبة للاقتصاد اللبناني؟ في الواقع، يبدو أن الانخفاض في أسعار النفط يشكل سيفاً ذو حدين بالنسبة للاقتصاد الوطني، فهو يولّد من جهة بعض الضغوط غير المباشرة في بعض الميادين، ولكنه يساهم من جهة أخرى في التخفيف من ثقل الاختلالات القائمة في ميادين أخرى. في الجانب السلبي نذكر التأثيرات المحتملة لأسعار النفط على التحويلات المالية ونمو الودائع المصرفية. فالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي قد استخلصا في دراسات منفصلة ترابطاً إيجابياً بين التحويلات المالية أو نمو الودائع المصرفية من جهة وأسعار النفط من جهة أخرى. وقد أشارا في هذا السياق إلى أن ارتفاع أسعار النفط يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني من خلال زيادة تدفقات الأموال الوافدة وتعزيز الطلب الخارجي. تجدر الإشارة هنا إلى أن التحويلات المالية للبنانيين العاملين في الخارج تشكل نحو 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي اللبناني، يتأتّى منها ما يقارب 60 في المئة من دول الخليج العربي. هذا وتشير تحليلات صندوق النقد والبنك الدولي أن ارتفاع أسعار النفط يعزز حجم الصادرات اللبنانية والإيرادات السياحية وحركة الودائع الوافدة ونشاط التسليف للقطاع الخاص، وأن التغيّرات المحتملة في أسعار النفط تشكل مصدراً أساسياً لتقلبيّة تلك المؤشرات. من ناحية أخرى، إن انخفاض أسعار النفط ينطوي على آثار إيجابية على صعيد العجز المالي العام وعجز الحساب الجاري في لبنان، فالأول مرتبط بالوفورات المحققة على صعيد التحويلات المالية إلى مؤسسة كهرباء لبنان، والثاني مرتبط بالوفورات المحققة على صعيد فاتورة استيراد النفط. مع الإشارة إلى أن لبنان يندرج في الربع الأعلى بين دول العالم من حيث نسبة العجز في الحساب الجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي التي تقارب 13 في المئة ونسبة العجز المالي العام إلى الناتج التي تقارب 8 في المئة (أي في المركز 14 و19 على التوالي بين 188 بلداً حول العالم)، ما يمثل أبرز الاختلالات القائمة للاقتصاد اللبناني في الوقت الراهن. في الواقع، تؤمّن الدولة اللبنانية الدعم المالي لمؤسسة كهرباء لبنان بحيث تبقي الأخيرة على تعريفاتها ثابتة (بمتوسط دعم نسبته 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً خلال السنوات الأربع الماضية). في هذا الإطار، فإن انخفاض أسعار النفط المسجل حتى الآن من شأنه أن يؤدي إلى تحقيق وفورات على صعيد التحويلات المالية إلى مؤسسة كهرباء لبنان بما لا تقل نسبته عن 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يخفض العجز المالي العام بالنسبة ذاتها. في السياق ذاته، يرى صندوق النقد الدولي أن انخفاض أسعار النفط يشكل فرصة فريدة لإلغاء الإعفاءات الممنوحة سابقاً من الضرائب والرسوم المفروضة على صفيحة البنزين، والتي يمكن أن تعزز الإيرادات العامة نسبياً في لبنان.

أما على صعيد العجز التجاري وبالتالي عجز الحساب الجاري، فإن لبنان قد يستفيد من تدني فاتورة استيراد النفط إلا أنه في المقابل قد يشهد الاقتصاد اللبناني بعض التداعيات السلبية من حيث بعض الصادرات الفائتة. فالفاتورة النفطية في لبنان والتي تقدر بحوالي 6 مليارات دولار سنوياً قد تنخفض بحوالي 3 مليارات دولار سنوياً، وهو ما يمثل تراجعاً بما يفوق نسبة الـ 15 في المئة في إجمالي فاتورة الاستيراد السنوية. علماً أن تلك التداعيات الإيجابية قد يقابلها بشكل جزئي بعض التداعيات السلبية على صعيد الصادرات اللبنانية، إذ تستحوذ الدول المصدرة للنفط على ما يقارب ثلث صادرات لبنان من السلع والإيرادات السياحية. وعلى افتراض أن مرونة الدخل في الطلب الخارجي للدول المصدرة للنفط توازي واحداً، فإن أي انخفاض بنسبة 1 في المئة في دخل الدول المصدرة للنفط من شأنه أن يولّد تراجعاً في الصادرات اللبنانية بما نسبته 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. برغم ذلك، فإن صافي الوفورات من حيث العجز التجاري وعجز الحساب الجاري يبقى إيجابياً إلى حد لافت ويقدر بحوالي 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، مع ما يرافق ذلك من آثار إيجابية على ميزان المدفوعات للبلاد.

في الختام، وفي حين أن انخفاض أسعار النفط قد ينطوي على بعض المخاطر المحتملة على صعيد التحويلات المالية والصادرات والاستثمارات الأجنبية المباشرة والإيرادات السياحية، إلا أنه ينطوي في المقابل على آثار إيجابية جمة على صعيد العجز المالي والعجوزات الخارجية للاقتصاد الوطني.