تعثر سياسة البترول والغاز: الأسباب والعلاج

Leb 1

لا بد من توضيح أسباب الحلقة المفرغة التي بات ملف الطاقة يدور فيها، وسبل الخروج من هذه الحلقة بأسرع ما يمكن.

من حيث الأسباب، وإن كانت مختلفة، فإنها في الواقع تتمحور حول أربع نقاط رئيسية ألا وهي: التأخر في إصدار القانون الضريبي الخاص بالشركات البترولية، والنزاع على ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، والانحرافات في نموذج الاتفاقيات المقترح عقدها مع الشركات الأجنبية، ولغز ما يسمى «توزيع البلوكات» في المنطقة الاقتصادية الخالصة.

أي نظام ضريبي؟

أقل ما يمكن أن يقال هو أنه ليس من الطبيعي بشكل من الأشكال أن يجري الحديث عن استدراج عروض والرغبة في بدء المفاوضات مع شركات بترولية لإبرام عقود تنقيب وإنتاج، قبل أن تعرف هذه الشركات ما هي ضريبة الدخل وغيرها من الضرائب التي ستترتب عليها. ومن الغريب أن مشروع القانون الخاص بتعديل النظام الضريبي الحالي لجعله متماشياً مع الضرائب على الشركات البترولية في العالم، ما زال منذ أشهر طويلة يتأرجح بين مختلف الدوائر، ولم تتم مناقشته بعد في المجلس النيابي. والأغرب من ذلك أن واحداً من المرسومين اللذين لم يتم إقرارهما بعد قد ابتكر حلاً جذرياً، إذ نص بكل بساطة على أنه في حال تقرر رفع نسبة الضرائب الحالية (وهي من الأدنى في العالم) فإن الزيادة بالنسبة لشركات البترول ستكون بمثابة جزء من النفقات المعتمدة في حساب الأرباح! والسؤال المطروح هو: من هي في لبنان الجهة المخولة بتحديد الضرائب؟ هل هي السلطة التشريعية أم السلطة التنفيذية ودائرة في وزارة الطاقة؟

خط أعوج في ترسيم الحدود البحرية

من المؤسف أن أول خطوة عملية تحققت على طريق استثمار البترول والغاز تجاه الشواطئ اللبنانية كانت خطوة خاطئة أدت إلى خلاف حاد مع إسرائيل بسبب خط أعوج رسم العام 2007، عندما وقّع لبنان مع قبرص اتفاقية ترسيم حدود المناطق الاقتصادية الخالصة العائدة لكل منهما. ويعود الخطأ إلى أن الاتفاق مع قبرص يشير إلى خط ينطلق من رأس الناقورة إلى نقطة 1 في عرض البحر، بدت وكأنها النقطة الثلاثية لتقاطع الحدود البحرية بين لبنان وقبرص وإسرائيل. وقد حاولت الحكومة اللبنانية في ما بعد تدارك هذا الخطأ وأبلغت العام 2010 الأمم المتحدة بذلك استناداً إلى عدد من الخرائط والأدلة التي تثبت أن النقطة الثلاثية المشار إليها هي النقطة 23 التي تقع على بعد 17,2 كليومتراً إلى الجنوب الغربي من النقطة 1.
وقد سارعت إسرائيل لاستغلال هذه الثغرة عندما أعلنت في تموز 2011 عن ترسيم حدودها البحرية مع قبرص. ويشير هذا الترسيم إلى أن النقطة 1 هي النقطة الثلاثية التي يجب اعتمادها. هكذا، برز الخلاف حول مثلث بحري مساحته 854 كيلومتراً مربعاً، يغطي على الأرجح مخزونات كبيرة من البترول والغاز. ومن الضروري بالنسبة للبنان أن يتم حل هذا النزاع بأسرع ما يمكن لنزع فتيل حرب جديدة مع إسرائيل، والتمكن من التنقيب تحت اثنتين من الرقع البحرية المعروضة لمنح حقوق تنقيب وإنتاج في الرقعة رقم 8 والرقعة رقم 9، اللتين يمر فيهما الخط الحدودي المشار إليه في الاتفاق بين قبرص وإسرائيل. أما الأسلوب الطبيعي لحل هذا النزاع، فيكمن في إعادة النظر في الاتفاق بين لبنان وقبرص، وفي السعي لدى الدول الكبرى والأمم المتحدة لإجبار إسرائيل على احترام ما يسمى قانون البحار الذي وضع موضع التنفيذ العام 1994 برعاية الأمم المتحدة. هذا مع العلم أن إسرائيل هي واحدة من سبع دول امتنعت حتى الآن عن توقيع هذا القانون.

نظام استثمار كارثي

لقد نشرت بعض الصحف اللبنانية خلال الأشهر الماضية عدداً من الدراسات حول العديد من الثغرات والانحرافات التي تنطوي عليها النصوص الخاصة بنظام استثمار البترول والغاز في المناطق البحرية. كل هذه الدراسات استندت إلى بنود المرسومين الخاصين بشروط الاتفاقيات المقترح عقدها مع الشركات لتطوير صناعة البترول والغاز، والتي ما زالت محاطة بالتكتم والسرية، والله العليم وحده يعرف لماذا! لذلك، لا حاجة ولا مجال أصلاً هنا لاستعراض مختلف هذه الثغرات والانحرافات. يكفي التذكير فقط بأنها تؤدي لا محالة لخسارة عشرات المليارات من الدولارات، خصوصاً جراء المستويات المتدنية جداً للاتاوات والضرائب، بالإضافة إلى التعطيل المذهل لدور الدولة المحوري في المساهمة الفعلية في العمليات البترولية وفي مراقبة الشركات العاملة.
هذا كله باختصار يعيد لبنان عشرات السنين إلى الوراء، أي إلى ما قبل السبعينيات من القرن الماضي، عندما قامت الدول العربية (بعد إيران في الخمسينيات والمكسيك في الثلاثينيات) بتصفية الامتيازات القديمة، وأصبحت هي السيدة في استغلال ثرواتها عن طريق شركة بترول ومؤسسات وطنية أخرى.
ولا يقل خطراً عن ذلك أن بعض المبادئ الأساسية التي نص عليها القانون البترولي 132/2010 قد تم تشويهها أو الضرب بها عرض الحائط في بعض «المراسيم التطبيقية»، المفترض فيها أن توضح تفاصيل «تطبيق» القانون. ومن جملة الأمثلة على ذلك أن القانون ينص على أن نظام الاستثمار البترولي هو نظام تقاسم الإنتاج، في حين أن المرسوم قد تجاهل هذا المبدأ واستعاض عنه بنظام تقاسم الأرباح، أي نظام مختلف تماماً. مثل آخر هو أن القانون ينص على مبدأ مساهمة الدولة فعلياً في الأنشطة البترولية، في حين أن المرسوم يقر عكس ذلك تماماً، عندما يؤكد حرفياً على أنه لن يكون للدولة أي مساهمة. مثل آخر هو أن القانون ينص على إنشاء شركة بترول وطنية، الأمر الذي يتجاهله المرسوم كلياً. أضف إلى ذلك أن المرسوم نفسه يعفي الشركات البترولية كما سبقت الإشارة أعلاه من تحمل أي زيادة في الضرائب التي قد يقرها أي قانون جديد!

لغز «توزيع البلوكات»

من أغرب الغرائب وأعجب العجائب في سياسة البترول والغاز في لبنان هو ما يقال ويشاع حول خلاف قديم، وربما الاقتراب من اتفاق على «توزيع البلوكات»، أي العشر رقع بحرية التي تغطي مجموع المنطقة الاقتصادية الخالصة والمزمع تلزيمها لشركات أجنبية لاستغلالها. ومما يقال ويشاع هو محاولة التفاهم بين بعض المسؤولين حول تقاسم هذه الرقع كي يكون لكل جهة نصيبها من المجموع. هذا كله يقال ويشاع فقط لأنه ليس بطبيعة الحال من الأمور التي يعلن عنها من فوق الأسطح أو تسجل أمام شهود عند كاتب العدل.
إن الأمل هو في أن يكون كل ما يقال ويشاع بهذا الصدد مجرد إشاعات لا أساس لها من الصحة. ذلك لأنه إن صح، لا سمح الله، وكان ما يقال ويشاع واقعاً أكيداً، فهذا يعني بالقلم العريض أنه أكبر وأخطر عملية (الوصف يعود للقارئ!) في تاريخ الجمهورية اللبنانية، وضربة قاضية لأماني اللبنانيين وحقهم في الاستفادة على أكمل وجه من ثرواتهم. أما أولئك، وهم الأكثرية الساحقة، الذين يعتبرون أن البترول والغاز هما لجميع اللبنانيين، وأن لبنان ليس مجموعة قبائل تتناحر على تقاسم الغنائم، فمن حقهم وواجبهم قول وفعل كل ما يلزم لرفع سياسة الطاقة إلى مستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقنا جميعاً.
أما في ما يتعلق بالسؤال عما إذا كان من الأفضل، من زاوية المصلحة الوطنية دون غيرها، تلزيم رقعة واحدة أو عدد قليل من الرقع في المرحلة الأولى، أو تلزيم الرقع العشر كلها دفعة واحدة، فإن الجواب عليه لا يتحمل التردد على ضوء المعطيات والبديهيات التالية:
أولاً: لبنان لا يملك اليوم أي خبرة تذكر في مجال التنقيب عن البترول والغاز وانتاجهما، كما أنه لا يملك المعطيات الأولية اللازمة حول حجم الكميات الممكن اكتشافها أو كلف إنتاجها. لذلك، فإن الحس السليم يقضي بأنه من الأفضل تلزيم عدد قليل من الرقع في المرحلة الأولى بغية اكتساب الخبرة والمعلومات اللازمة وتهيئة الكوادر الوطنية، قبل الانتقال إلى المراحل التالية.
ثانياً: في طليعة الأخطار التي ينطوي عليها النظام المقترح بمنح حقوق تنقيب وإنتاج، هو الخطأ الجسيم المتمثل في دمج حقوق التنقيب وحقوق الإنتاج في اتفاق واحد، وذلك خلافاً لما هو معروف ومتداول في البلدان الأخرى. وهذا يعني بتعبير آخر ضرورة التمييز بين مرحلة استكشاف تمتد على فترة تتراوح حوالي ثلاث أو أربع سنوات، يصار بعدها، وعلى ضوء نتائجها، إلى الاتفاق أو عدم الاتفاق على الانتقال إلى مرحلة الإنتاج خلال مدة لا تتجاوز عادة 25 سنة. أما التشريع اللبناني، فلا وجود فيه لمثل هذا التمييز إذ إنه يمنح صاحب الحق مسبقاً وفي آن واحد، إمكانية الاستكشاف والتنقيب على مدة ست سنوات تليها تلقائياً مدة إنتاج تمتد على ثلاثين سنة، أي مجموع 36 سنة، يضاف إليها تمديد ممكن. وهذا الوضع هو أشبه ما يكون بشك على بياض توقعه الدولة دون أن تعرف الحد الأدنى مما يترتب على توقيعها لمدة تقارب الأربعة عقود.
ثالثاً: عدد الرقع البحرية المعروضة للتنقيب والإنتاج في لبنان لا يتجاوز العشر، في حين أن مساحاتها كبيرة نسبياً، وأكبر بكثير مما هي عليه في إسرائيل مثلاً. ولا شك أنه كان من الأفضل تقسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة إلى 15 رقعة على الأقل، ما يعطي الدولة مرونة أكبر وهامشاً أوسع للتحرك واجتذاب عدد أكبر من الشركات المعنية. ويجدر التنويه هنا بأن عدد رقع التنقيب في بلدان لا تعتبر ذات إمكانيات اكتشاف عالية يبلغ 34 في المغرب و55 في تونس، على سبيل المثال.
رابعاً: لا يجوز بشكل من الأشكال الرضوخ للأمر الواقع واستثناء الرقعتين 8 و9 الواقعتين جزئياً في المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل من استدراج عروض من الشركات. إلا أن هذا لا يمنع بالطبع ضمهما في المرحلة الأولى إلى عدد قليل من الرقع الأخرى، كما أنه لا يعني ضرورة تلزيم الرقع كلها دفعة واحدة، أي الإقدام معصوبي العينين على قفزة في المجهول. وليس من باب الصدف أنه لا يوجد في البلدان الأخرى، القريبة منا أو البعيدة، بلد واحد أقدم على مثل هذه المجازفة.
خلاصة ذلك كله أن تعثر سياسة البترول والغاز في لبنان يعود لأسباب وأخطاء تقع مسؤوليتها علينا دون سوانا، وأن تفعيل هذه السياسة ودفعها بسرعة في الاتجاه السليم لا يقتضي أكثر من حد أدنى من الصراحة والشفافية وتغليب المصلحة العامة على أي مصلحة أو نوايا أخرى.

نقولا سركيس