عودة هوكشتاين.. والحل المرتجى للترسيم البحري

عودة هوكشتاين.. حاملًا سُلَّمَ الحل للترسيم البحري

ليس صدفة أنّ يؤجل كبير المفاوضين في وزارة الطاقة الأميركية، والمكلف إدارة مفاوضات الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل، آموس هوكشتاين، زيارة بيروت مرات عدة.

وليس صدفة أيضاً أن يحدّد هوكشتاين شخصياً إطارًا زمنيًا لنهاية المفاوضات، ينتهي قبيل الانتخابات النيابية اللبنانية، وهي كانت مقررة في منتصف شهر آذار 2022 وتأجلت إلى 15 أيار.

وليس صدفة كذلك أن يرفع لبنان رسالة بواسطة المندوبة الدائمة في الأمم المتحدة، السفيرة أمل مدللي، في 28 كانون الثاني الماضي، إلى رئيس مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش، ليردّ على مزاعم رئيس بعثة إسرائيل في الأمم المتحدة، جلعاد أردان. ففي كتاب أرسله في 23 كانون الأول 2021 إلى غوتيريش، أبدى أردان “اعتراض إسرائيل على فتح لبنان دورة التراخيص الثانية للتنقيب، كون الحقول تمتد إلى المياه الإسرائيلية”، أي إلى مساحة 860 كلم مربع المتنازع عليها بين الجانبين (حسب خط هوف). في إشارة إلى أنّ خط هوف يتخذ الخط 23 خطاً تفاوضياً. وهو مكرس في المرسوم 6433 ومودع لدى الأمم المتحدة بتاريخ الأول من تشرين الأول 2011. 

وفي تلك الرسالة، جددت إسرائيل تمسكها بمساحة 860 كلم مربعاً، ما بين الخط 1 و23، كما حذرت الشركات من القيام بأي أعمال استكشاف أو تنقيب لصالح لبنان في هذه المنطقة. 

رسائل إلى مجلس الأمن
عليه، جاءت الرسالة اللبنانية لتصيب أكثر من عصفور بحجر واحد:

– تؤكّد أنّ جميع الأعمال (التنقيب) المشار إليها تقع في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان والتي لا يمكن التنازل عنها. 

– تعيد التذكير بسقوط خط هوف وتحويل التفاوض من الخط 23 الى الخط 29. 

– تحيل المنطقة الممتدة من الخط 23 إلى خط 29، إلى منطقة متنازع عليها، فيما المرسوم الذي عدّلته حكومة حسان دياب، من دون أن يوقعه رئيس الجمهورية ميشال عون بعد زيارة لمساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد هيل في 13 نيسان الفائت، كان يعتبرها منطقة لبنانية. 

– هناك بعد جديد في حال فشل التفاوض، ويتضمن هذا البعد إدخال تعديلات على المرسوم 6433 المذكور آنفًا، بحيث يصبح الخط 29 هو الخط اللبناني الرسمي لحدود لبنان، بدل أن يكون خطًا تفاوضياً.

ويعلم رئيس الجمهورية، ويعلم الإسرائيلي كما الأميركي، أنّ تعديل المرسوم اليوم يتطلب إعادة عرضه على مجلس الوزراء وتوقيعه من الوزراء المختصين ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي كان هو من أودع المرسوم الأوّل خلال توليه رئاسة الحكومة في العام 2011. وهذا يصعّب إلى حد كبير قدرته على توقيع التعديلات اليوم. لكن في الوقت عينه، يدرك الجانب الإسرائيلي أنّ الرسالة اللبنانية تعيق عمل شركات التنقيب في هذه المنطقة، وصولًا إلى حقل كاريش، وتنقل المفاوضات إلى مستوى آخر أفضل للبنان بلا شك.

ويتضح اليوم أنّ لبنان بقواه المؤثرة في عملية التفاوض، لن يقبل بعد اليوم لا بخط هوف ولا بحد الخط 23. ومن الواضح أيضاً أنّ الجانب الأميركي يسعى لتقديم عرض خلاق تحتاج إليه كل الأطراف، لمواكبة اتفاق نووي تريد الولايات المتحدة الأميركية إبرامه قبل إيران. وتسعى واشنطن من خلال هذا الاتفاق إلى كسب طهران الى جانبها بشكلٍ معلن، كما تريد في الوقت عينه تحقيق مكاسب لإسرائيل، حليفتها التاريخية، من خلال تفعيل خطوط الهدنة في لبنان وسوريا، لعقد أو عقود قادمة.  

خلال زيارة هوكشتاين الأخيرة لبنان، تسرّب على لسان أكثر من فريق التقاه، أنّ المبعوث الأميركي أكّد أنّ الحل يكمن في نزول جميع الفرقاء عن الشجرة من جهة، وأنّه جاهز لتأمين سلّم النزول من جهة ثانية، شرط أن يبدأ من إسرائيل التي زارها في آخر شهر كانون الثاني الماضي، حيث التقى وزيرة الطاقة كارين الهرار، مغرداً بعد لقائها إنّه أجرى مناقشة جيدة “مع وزيرة الطاقة الإسرائيلية حول هذا الملف في المنطقة”. وأضاف هوكشتاين: “نتطلع للقاء مرة جديدة في بيروت الجميلة”.

في ضوء ما تقدّم، يمكن القول إنّ الرسالة اللبنانية قد تكون فرصة حقيقية نحو الولوج إلى حل يفضي إلى ترسيم الحدود البحرية. وقد لا تكون كذلك نظراً إلى وتيرة التغيرات السريعة التي تشهدها المنطقة في هذا التوقيت الحرج. وفي انتظار هوكشتاين، يركّز لبنان أنظاره على حدود بحره الجنوبي، مترقباً أن تدفع أمواجه بصك ملكية جديد وفتح مرحلة جديدة في لبنان والإقليم برمته.

يمثّل ما تقدّم، وثيقةً رسمية توازي بقوتها النصّ المقترح لتعديل المرسوم 6433 المودع لدى الأمم المتحدة عام 2011، وبالتالي حفظ لبنان حقّه في المنطقة التي تمتدّ إلى الخطّ 29 لحين التوصل إلى حلّ عادل أو تعديل المرسوم 6433/2011 وهذا إنجاز نوعي يُسجّل للقيمين عليه.

إن الخطّ 23 والذي يحتشد خلفه ثلة من أصحاب المصالح على الجانب اللبناني و “المقامرون” مع الأميركيين، أصبح من الماضي، وعاد الخطّ 29 ليتسيّد المشهد، وهذا يخالف ادّعاء البعض بأن الخطّ المذكور لم يكن سوى “خطّ من أجل تعزيز التفاوض ولم يكن خطاً جدياً” بدليل اعتماده رسمياً من الجانب اللبناني كحقّ شرعي وفقاً للقوانين الدولية وكمنطلقٍ لبدء التفاوض.