مفاوضات الترسيم البحري بين لبنان واسرائيل

تستعد الحكومة اللبنانية لاستئناف المفاوضات غير المباشرة بين لبنان واسرائيل في الناقورة وسط معلومات عن جولة جديدة للمبعوث الاميركي لمفاوضات ترسيم الحدود البحرية اموس هوكشتين، وقد شرحت مصادر مطلعة على مفاوضات ترسيم الحدود البحرية اخر المستجدات في هذا الملف وقالت: بعد توحد السلطة السياسية على أن المنطقة المتنازع عليها تبدأ من الخط 29 وليس من الخط 23، وإعلان السيد نصر الله أنه يقف وراء الدولة اللبنانية وسيمنع العدو الاسرائيلي من استخراج النفط والغاز من هذه المنطقة قبل إنتهاء المفاوضات، سوف يؤدي  ذلك حتماً الى الحل العادل وبسرعة غير متوقعة. هناك من يسأل كيف هي السلطة اللبنانية موحدة على تحديد المنطقة المتنازع عليها شمال الخط 29، فالجواب هو على الشكل التالي:

صحيح أن هناك اختلاف بالرأي حول عدم تعديل المرسوم 6433 خلال سير عملية التفاوض مع العدو الاسرائيلي أو على توقيت هذا التعديل بالحد الأدنى، حيث يعتقد البعض أنه يجب افساح المجال للتوصل الى حل عادل للنزاع الحدودي البحري قبل التعديل، إلا إنه يوجد موقف رسمي موحد للدولة اللبنانية حول تحديد المنطقة المتنازع عليها والتي أعلن السيد نصر الله أنه سيمنع العدو الاسرائيلي من بدء استخراج النفط والغاز منها قبل التوصل الى حل ترضى به الحكومة اللبنانية بنتيجة المفاوضات بين الجانبين. هذا الموقف الرسمي الموحد يتبين من خلال ما يلي:

بتاريخ 13 تشرين الأول 2020 أي قبل يوم واحد من بدء التفاوض غبر المباشر مع العدو الإسرائيلي، اجتمع رئيس الجمهورية بأعضاء الوفد المفاوض وأعطى توجيهاته الاساسية للوفد العسكري – التقني لانطلاق عملية التفاوض بهدف ترسيم الحدود البحرية على أساس الخط الذي ينطلق من نقطة راس الناقورة براً والممتد بحراً تبعاً لتقنية خط الوسط دون احتساب أي تاثير للجزر الساحلية التابعة لفلسطين المحتلة. وذلك استنادا الى دراسة اعدتها قيادة الجيش وفقا للقوانين الدولية أي إنطلاق التفاوض من الخط 29 وبالتالي تعتبر رئاسة الجمهورية وبصراحة تامة أن المياه البحرية التي تقع شمال الخط 29 هي منطقة متنازع عليها.

خلال زيارة آموس هوكشتين الاخيرة الى لبنان بتاريخ 19/10/2021 نقل عن الرئيس نبيه بري أنه متمسك باتفاق الاطار لناحية متابعة التفاوض غبر المباشر في الناقورة وهو يعتبر أن الخط 29 هو خط تفاوضي ينطلق منه الوفد المفاوض في المفاوضات، على عكس ما كان يُشاع أن اتفاق الاطار ينص على التفاوض على مساحة 860 كلم مربع أي بين الخط 1 والخط 23، فاتفاق الاطار ببنوده السته واضح ولا ينص أبدا على حصر التفاوض بمساحة 860 كلم مربع. وهذا يعني أن الرئيس بري يعتبر أيضاً أن المنطقة الواقعة شمال الخط 29 هي منطقة متنازع عليها.

بعد نيل حكومة الرئيس ميقاتي الثقة، صرح الرئيس نجيب ميقاتي أنه سوف يتابع موضوع ترسيم الحدود البحرية بشكل علمي ووفقاً للقوانين الدولية، صدر بعد ذلك قرار بتاريخ 12/10/2021 من قبل محكمة العدل الدولية حول حل النزاع الحدودي البحري بين كينيا والصومال وذلك برسم تلك الحدود انطلاقا من المياه الاقليمية دون إعطاء أي تأثير لجزيرة ديوا داماسياكا الصومالية الشبيهة تماما بجزيرة تخيلت الاسرائيلية بالنسبة لمساحتها وموقعها من خط الحدود، وهذا يعتبر قرارا تاريخيا سوف تأخذ به كافة المحاكم الدولية ومكاتب الاستشارات القانونية التي تُعنى بترسيم الحدود البحرية، في العالم كونه صدر أن أعلى مرجع قضائي في الامم المتحدة ومن محكمة تضم 15 قاضياً متخصصا في هذا المجال، وبالتالي كل الدراسات العلمية والقانونية سوف تصب في الدفاع عن الخط 29 الذي يتجاهل تأثير جزيرة تخيلت أساس المشكلة في ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة والتي يُطالب الاسرائيلي باعطائها تأثيرا كاملا بعكس قرار محكمة العدل الدولية الاخير والذي يتماشى تماماً مع دراسة قيادة الجيش التقنية والقانونية. وهذا يعني أن رئيس حكومة لبنان مع بدء التفاوض من الخط 29 الذي دعمه حُكم أعلى سلطة قضائية دولية أي محكمة العدل الدولية والذي يصب في مصلحة لبنان.

كذلك الأمر، وبناءً لتوجيهات الرؤساء الثلاثة عون، بري وميقاتي، أرسل وزير الخارجية والمغتربين رسالتين الى الأمم المتحدة الاولى بتاريخ  18 /9/2021 تحت رقم 1120/2021 والثانية ملحقة بالرسالة الاولى تحت رقم 3637/5 بتاريخ 21/10/2021 تحدد الاولى بالنص أن حقل كاريش هو حقل متنازع عليه وتحذر الرسالة الثانية من احتمال قيام اسرائيل بخرق المسار التفاوضي واللجوء الى عمليات التنقيب في مناطق متنازع عليها وعدم انتظار نتائج المفاوضات بمخالفة صريحة لما هو متعارف عليه دولياً.

أضف الى ذلك، في شهر أيلول 2021 أعطت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل رأيها القانوني بموضوع الخط 23، حيث دعت الحكومة اللبنانية الى سحب المرسوم 6433 من الأمم المتحدة وتعديل الخط 23 بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بالاستناد الى دراسة قيادة الجيش، خاصة أن هذا المرسوم وهذا الخط 23 يشوبهما عيوب تقنية وقانونية تستوجب التعديل. وهذا ما يسهل عمل السلطة التنفيذية التي يجب أن تبني قراراتها على رأي السلطة القضائية في موضوع يتعلق بالمصلحة الوطنية وحقوق الشعب اللبناني والأجيال القادمة والتي لا يمكن ولا يحق لأحد أن يتجاهلها. ومن هذا المنطلق وجب على وزير العدل إحالة رأي هيئة التشريع والاستشارات الى مجلس الوزراء ليبنى على الشيء مقتضاه وليتحمل الجميع مسؤولياتهم الوطنية في هذا الشأن.

وتضيف المصادر : إن شركة إنرجين التي تعمل في حقل كاريش الحدودي، هي شركة صغيرة الحجم ولا تتحمل أي خسارة مادية، ولها اسهمها في بورصة لندن وتم تصنيفها مؤخراً يؤشر سلبي من شركة مودز بسبب تأخرها في عملية الانتاج من حقل كاريش لأسباب تتعلق بوباء كورونا وبسبب تأخر وصول سفينة الانتاج التي يتم تصنيعها في سينغابور والتي كان متوقاً أن تصل الى حقل كاريش في حزيران 2021 حيث تأخر هذا الموعد الى بداية العام 2022.

إن كلفة سفينة الانتاج حوالي نصف مليار دولار أميركي، وبالتالي لن تتجرأ شركة إنرجين أن تأتي بها وتضعها في منطقة متنازع عليها بمفهوم الدولة اللبنانية وتكون عرضة لأي هجوم عسكري.

تنتظر إسرائيل النفط والغاز من حقل كاريش بفارغ الصبر للبدء بتوليد الكهرباء من المعامل التي أعدها لهذه الغاية، ولكسر احتكار شركة شيفرن التي تستغل بيع الغاز من حقلي تمار وليفيثيان للإسرائيليين بأسعار مرتفعة، وبالتالي، من مصلحة الاسرائيلي عدم التأخر في انتاج النفط والغاز من حقل كاريش.

كل هذه العوامل سوف تضغط على العدو الاسرائيلي الذي بدوره سوف يطلب مساعدة الوسيط الاميركي للإسراع بايجاد حل لموضوع ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، وهكذا بوحدة الموقف اللبناني الرسمي من تحديد المنطقة المتنازع عليها والاصرار على حماية حقوق لبنان في هذه المنطقة، سوف يسهل عمل الوسيط الاميركي للوصول الى حل عادل ومنصف وسوف يكون تحت الضغط الاسرائيلي للوصول الى حل سريع قبل وصول سفينة الانتاج، بدلا من أن يضغط هو على الاسرائيلي للتوصل الى حل في حال ابقاء حقل كاريش بعيداً عن منطقة النزاع، فعكس ذلك أي التمسك بالخط 23 سوف يريح شركة انرجين من الناحية القانونية والأمنية، وسوف يريح الجانب الاسرائيلي ويسمح له بالمماطلة وعدم التجاوب مع الوسيط الاميركي الذي سوف تصعب مهمته بالطلب من اسرائيل المرتاحة على وضعها باستئاف المفاوضات بدلاً من أن تلح وتصر الى التوصل الى حل قبل موعد وصول سفينة الانتاج من سينغابور بداية العام القادم ووضعها تحت تهديد أمني لا يمكن أن تتحمله.

وتختم المصادر بالتاكيد ، اليوم، نُبشر الشعب اللبناني بقرب إيجاد حل عادل لمسألة النزاع الحدودي البحري مع العدو الإسرائيلي، وهذا يعود بالدرجة الاولى الى توحد وإجماع السلطة السياسية على تحديد المنطقة المتنازع عليها ابتداءً من الخط 29، والى تكامل القدرات الوطنية مع بعضها البعض، بدءً من قدرات الجيش اللبناني الى قدرة ومهنية القضاء اللبناني.